أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة مرة واحدة ولم يصر عليها بل حصلت منه فلتة في عمره باللمم ورأيا أنها إنما تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم وغور علومهم ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته وتكرر منه مرارا كثيرة وفي ذلك آثار سلفية والاعتبار بالواقع يدل على هذا ويذكر عن علي رضي الله عنه: أنه دفع إليه سارق فأمر بقطع يده فقال: يا أمير المؤمنين والله ما سرقت غير هذه المرة فقال: كذبت فلما قطعت يده قال: اصدقني كم لك بهذه المرة فقال: كذا وكذا مرة فقال: صدقت إن الله لا يؤاخذ بأول ذنب أو كما قال فأول ذنب إن لم يكن هو اللمم فهو من جنسه ونظيره فالقولان عن أبي هريرة وابن عباس متفقان غير مختلفين والله أعلم وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب بالفعل حينا بعد حين فإنه يقال: ألم بكذا إذا قاربه ولم يغشه ومن هذا سميت القبلة والغمزة لمما لأنها تلم بما بعدها ويقال: فلان لا يزورنا إلا لماما أى حينا بعد حين فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما الآية وليس معنى الآية والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فإنهم لا يجتنبونه فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم وهذا محال وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه فان سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء وأن الله يجزى هذا بإساءته وهذا بإحسانه ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ومضمون هذا: أنه لا يكون محسنا مجزيا بإحسانه ناجيا من عذاب الله إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش فحسن حينئذ استثناء اللمم وإن لم يدخل في الكبائر فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش وضابط الانقطاع: أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه وإن لم يدخل