وهذا موضع غلط واشتباه فإن الدليل في هذا المقام شرط وكذلك العلم وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ولا يوصل إلى المطلوب إلا من بابه كما قال تعالى: وائتوا البيوت من أبوابها البقرة: 189 ثم إنه يخاف على من لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدها خطرا وهو الانقطاع عن الطلب بالكلية والوصول إلى مجرد الخيال والمحال فمن خرج عن الدليل: ضل سواء السبيل
فإن قيل: تعلقه في المسير بالدليل: يفرق عليه عزمه وقلبه فإن الدليل يفرق والمدلول يجمع فالسالك يقصد الجمعية على المدلول فماله ولتفرقة الدليل قيل: هذه هي البلية التي لأجلها أعرض من أعرض من السالكين عن العلم ونهى عنه وجعلت علة في الطريق ووقع هذا في زمن الشيوخ القدماء العارفين فأنكروه غاية الإنكار وتبرأوا منه ومن قائله وأوصوا بالعلم وأخبروا أن طريقهم مقيدة بالعلم لا يفلح فيها من لم يتقيد بالعلم والجنيد كان من أشد الناس مبالغة في الوصية بالعلم وحثا لأصحابه عليه والتفرق في الدليل خير من الجمعية على الوهم والخيال فإنه لا يعرف كون الجمعية حقا إلا بالدليل والعلم فالدليل والعلم ضروريان للصادق لا يستغنى عنهما نعم يقينه ونور بصيرته وكشفه: يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلفها المتكلفون وأرباب القال فإنه مشغول عنها بما هو أهم منها وهو الغاية المطلوبة
مثاله: أن المتكلم يفني زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات وجود الصانع وذلك أمر مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين فالذي يطلبه هذا الاستدلال الذي هو عرضة الشبه والأسئلة والإيرادات التي لا نهاية لها هو كشف ويقين للسالك فتقيده في سلوكه بحال هذا المتكلم انقطاع وخروج عن الفتوة وهذا حق لا ينازع فيه عارف فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان