والجواهر والأعراض والأكوان وهمته مقصورة عليها لا يعدوها ليصل منها إلى المكون وعبوديته والسالك قد جاوزها إلى جمع القلب على المكون وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته لا يلتفت إلى غيره ولا يشتغل قلبه بسواه
فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان والعارف قد شح بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان وبالجملة: فصاحب هذه الدرجة لا يتعلق في سيره بدليل ولا يمكنه السير إلا خلف الدليل وكلاهما يجتمع في حقه فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب ولا يستغني طرفة عين عن دليل يوصله إلى المطلوب فسير الصادق على البصيرة واليقين والكشف لا على النظر والاستدلال وأما قوله: ولا تشوب إجابتك بعوض أي تكون إجابتك لداعي الحق خالصة إجابة محبة ورغبة وطلب للمحبوب ذاته غير مشوبة بطلب غيره من الحظوظ والأعواض فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل حظ به وكل قسم كما في الأثر الإلهي: ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ولم يشب طلبه له بعوض بل كان حبا له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها فإنه لما لم يجعلها غاية طلبه توفرت عليه في حصولها وهو محمود مشكور مقرب ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته
فهذا قلبه ممتليء بها والحاصل له منها: نزر يسير والعارف ليس قلبه متعلقا بها وقد حصلت له كلها فالزهد فيها لا يفيتكها بل هو عين حصولها والزهد في الله هو الذي يفيتكه ويفيتك الحظوظ وإذا كان لك أربعة عبيد أحدهم: