وجوهًا لا تقاوم ما دلَّ عليه الحديثُ من البداءة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإطعام، فلا أقلَّ من دلالته على الاستحباب، مع أن دلالته للوجوب أظهرُ، واللَّه أعلم [1] .
الرابع: تباينت المذاهب في مفهوم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعرابي:"أطعِمْهُ أهلَكَ"، فمن قائل: هو دليل على إسقاط الكفارة عنه؛ لعدم إمكان صرفِ كفارته إلى أهله ونفسه، وإذا تعذر أن تقع كفارته، ولم يبين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له استقرارَ الكفارة في ذمته إلى حين اليسار، لزم من مجموع ذلك سقوطُ الكفارة بالإعسار المقارن [2] .
قال علماؤنا، منهم صاحب"الفروع": وتسقط هذه الكفارة بالعجز في ظاهر المذهب، نص عليه؛ وفاقًا للقديم من قولي الشافعي، وعن الإمام أحمد رواية: لا تسقط؛ وفاقًا لأبي حنيفة، والشافعي على معتمد مذهبه؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بها الأعرابي لما جاءه العَرَق بعد ما أخبره بعسرته.
قال بعضهم: فلو كَفَّرَ عنه غيرُه بإذنه، وقيل: أو دونه، فله أخذها، وعنه: لا يأخذها، وأطلق ابن أبي موسى مِنَّا: هل يجوز له أكلُها، أم كان خاصًا بذلك الأعرابي؟ على روايتين [3] .
قلت: الذي استقرَّ عليه المذهبُ: أنه إن كَفَّر عنه غيره بإذنه، فله أكلُها، وكذا لو مَلَّكه ما يكفِّر به، جاز له أكلُه مع أهليته، اعتمده في"الإقناع" [4] ، وغيره، واستوجه في"الفروع"احتمال أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رخَّص
(1) انظر:"شرح عمدة الأحكام"لابن دقيق (2/ 215) .
(2) المرجع السابق، (2/ 214) .
(3) انظر:"الفروع"لابن مفلح (3/ 65) .
(4) انظر:"الإقناع"للحجاوي (1/ 502) .