فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 322

قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة نظر إلى تلك الرباع فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه لم يحركه و ما وجده لم يقسم قسمه على قسمة الإسلام

و هذا الذي رواه ابن أبي نجيح يوافق الأحاديث المسندة في ذلك مثل حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم و كل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام ] رواه أبو داود و ابن ماجة

و هذا أيضا يوافق ما دل عليه كتاب الله ولا نعلم فيه خلافا فإن الحربي لو عقد عقدا فاسدا من ربا أو بيع خمر أو خنزير أو نحو ذلك ثم أسلم بعد قبض العوض لم يحرم ما بيده و لم يجب عليه رده و لم يكن قبضه لم يجز له أن يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم كما دل عليه قوله تعالى: { اتقوا الله و ذورا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } [ البقرة: 278 ] فأمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس و لم يأمرهم برد ما قبضوه

و كذلك وضع النبي صلى الله عليه و سلم لما خطب الناس كل دم أصيب في الجاهلية و كل ربا في الجاهلية حتى ربا العباس و لم يأمر برد ما كان قبض فكذلك الميراث: إذا مات الميت في الجاهلية و اقتسموا تركته أمضيت القسمة فإن أسلموا قبل الاقتسام أو تحاكموا إلينا قبل القسمة قسم على قسم الإسلام فلما مات أبو طالب كان الحكم بينهم أن يرثه جميع ولده فلم يقتسموا رباعه حتى هاجر جعفر و علي إلى المدينة فاستولى عقيل عليها و باعها فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ لم يترك لنا عقيل منزلا إلا استولى عليه و باعه ] و كان معنى هذا الكلام أنه استولى على دور كنا نستحقها إذ ذاك و لولا ذلك لم تضف الدور إليه و إلى بني عمه إذا لم يكن لهم فيها حق ثم قال بعد ذلك: [ لا يرث المؤمن الكافر و لا الكافر المؤمن ] يريد و الله أعلم لو أن الرباع باقية بيده إلى الآن لم يقسم لكنا نعطي رباع أبي طالب كلها له دون إخوته لأنه ميراث لم يقسم فيقسم الآن على قسم الإسلام ومن قسم الإسلام أن لا يرث المسلم الكافر فكان نزول هذا الحكم بعد موت أبي طالب و قبل قسمة تركته بمنزلة نزوله قبل موته فبين النبي صلى الله عليه و سلم أن عليا و جعفرا ليس لهما المطالبة بشيء من ميراث أبي طالب لو كان باقيا فكيف إذا أخذ منهم في سبيل الله ؟ فإذا كان المشرك الحربي لا يطالب بعد إسلامه بما كان أصابه من دماء المسلمين و أموالهم و حقوق الله و لا ينزع ما بيده من أموالهم التي غنمها منهم لم يؤاخذ أيضا بما أسلفه من سب و غيره فهذا وجه العفو عن هؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت