أما اليهود فأصل كفرهم تكذيب الرسول و سبه أعظم من تكذيبه فليس لهم كفر أعظم من سب الرسول فإن جميع ما يكفرون به ـ من الكفر بدين الإسلام و بعيسى و بما أخبر الله به من أمور الآخرة و غير ذلك ـ متعلق بالرسول فسبه كفر بهذا كله لأنه ذلك إنما علم من جهته و ليس عند أهل الأرض في وقتنا هذا علم موروث عليه أنه من عند الله إلا العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه و سلم و ما سوى ذلك مما يؤثر عن غيره من الأنبياء فقد اشتبه و اختلط كثير منه أو أكثره و الواجب فيما لا يعلم حقيقته منه أن لا يصدق و لا يكذب
و أما النصارى فسبهم للرسول طعن فيما جاء به من التوحيد و أنباء الغيب و الشرائع و إنما ذنبه الأعظم عندهم أن قال: إن عيسى عبد الله و رسوله كما أن ذنبه الأعظم عند اليهود أن غير شريعة التوراة و إلا فالنصارى ليسوا محافظين على شريعة مورثة بل كل برهة من الدهر تبتدع لهم الأحبار شريعة من الدين لم يأذن الله بها ثم لا يرعونها حق رعايتها فسبهم له متضمن للطعن في التوحيد و للشرك و للتكذيب بالأنبياء و الدين و مجرد شركهم ليس متضمنا لتكذيب جميع الأنبياء و رد جميع الدين فلا يقال: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب الرسول بل سب الرسول فيه ما هم عليه من الشرك و زيادة
و بالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات المرسلين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له و لما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى و الصفات العلى و لا كانت له شريعة في الأرض و لا تحسبن أن العقول لو تركت و علومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته و أسمائه على وجه اليقين فإن عامة من تكلم في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل و استصغى بذلك و استأنس به سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر و قد اعترف عامة الرؤوس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية و إنما ينال به الظن و الحسبان
و القدر الذي يمكن العقل إدراكه بنظره فإن المرسلين صلوات الله و سلامه عليهم نبهوا الناس عليهم و ذكروهم به و دعوهم إلى النظر فيه حتى فتحوا أعينا عميا و آذانا صما و قلوبا غلفا
و القدر الذي يعجز العقل عن إدراكه علموهم إياه و أنبأوهم به فالطعن فيهم طعن في توحيد الله و أسمائه و صفاته و كلامه و دينه و شرائعه و أنبيائه و ثوابه و عقابه و عامة الأسباب التي بينه و بين خلقه بل يقال: إنه ليس في الأرض مملكة قائمة إلا بنبوة أو أثر نبوة و إن كل خير في الأرض فمن آثار النبوات و لا يستريبن العاقل في هذا الباب الذين درست النبوة فيهم مثل البراهمة و الصابئة و المجوس و نحوهم فلاسفتهم و عامتهم قد أعرضوا عن الله و توحيده و أقبلوا على عبادة الكواكب و النيران و الأصنام و غير ذلك من الأوثان و الطواغيت فلم يبق بأيديهم لا توحيد و لا غيره
و ليست أمة مستمسكة بالتوحيد إلا أتباع الرسل قال الله سبحانه: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا و الذي أوحينا إليك و ما وصينا به إبراهيم و موسى و عيسى أن أقيموا الدين و لا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى: 13 ]
فأخبر أن دينه الذي يدعو إليه المرسلون كبر على المشركين فما الناس إلا تابع لهم أو مشرك و هذا حق لا ريب فيه فعلم أن سب الرسل و الطعن فيهم ينبوع جميع أنواع الكفر و جماع جميع الضلالات و كل كفر ففرع منه كما أن تصديق الرسل أصل جميع شعب الإيمان و جماع مجموع أسباب الهدى
الوجه الخامس: أن نقول: قد ثبت بالسنة ثبوتا لا يمكن دفعه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يأمر بقتل من سبه و كان المسلمون يحرصون على ذلك مع الإمساك عمن هو مثل هذا الساب في الشرك أو أسوأ منه من محارب و معاهد فلو كانت هذه الحجة مقبولة لتوجه أن يقال: إذا أمسكوا عن المشرك فالإمساك عن الساب أولى و إذا عوهد الذمي على كفره فمعاهدته على السب أولى و هذا لو قبل معارضة لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و كل قياس عارض السنة فهو رد
الوجه السادس: أن يقال: ما هم عليه من الشرك و إن كان سبا لله فهم لا يعتقدونه سبا إنما يعتقدونه تمجيدا و تقديسا فليسوا قاصدين به قصد السب و الاستهانة بخلاف سب الرسول فلا يلزم من إقرارهم على شيء لا يقصدون به الاستخفاف إقرارهم على ما يقصدون به الاستخفاف و هذا جواب من يقتلهم إذا أظهروا سب الرسول و لا يقتلهم إذا أظهروا ما يعتقدونه من دينهم
الوجه السابع: أن إظهار سب الرسول طعن في دين المسلمين و إضرار بهم و مجرد التكلم بدينهم ليس فيه إضرار بالمسلمين فصار إظهار سب الرسول بمنزلة المحاربة يعاقبون عليها و إن كانت دون الشرك و هذا أيضا جواب القائل
الوجه الثامن: منع الحكم في الأصل المقيس عليه فإنا نقول: متى أظهروا كفرهم و أعلنوا به نقضوا العهد بخلاف مجرد رفع الصوت بكتابهم فإنه ليس كل ما فيه كفر و لسنا نفقه ما يقولون و إنما فيه إظهار شعار الكفر و فرق بين إظهار الكفر و بين إظهار شعار الكفر
أو نقول: متى أظهروا الكفر الذي هو طعن في دين الله نقضوا به العهد بخلاف كفر لا يطعنون به في ديننا و هذا لأن العهد إنما اقتضى أن يقولوا و يفعلوا بينهم ما شاءوا مما لا يضر المسلمين فأما أن يظهروا كلمة الكفر أو أن يؤذوا المسلمين فلم يعاهدوا عليه البتة و سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذين القولين ة اللذين قبلهما
قال كثير من الفقهاء الحديث و أهل المدينة من أصحابنا و غيرهم: لم نقرهم على أن يظهروا شيئا من ذلك و متى أظهروا شيئا من ذلك نقضوا العهد
قال أبو عبد الله في رواية حنبل:[ كل من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تبارك و تعالى فعليه القتل مسلما كان أم كافرا و هذا مذهب أهل المدينة
و قال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بمؤذن و هو يؤذن فقال له: كذبت فقال: يقتل لأنه شتم ]
و من الناس من فرق بين ما يعتقدونه و ما لا يعتقدونه و من الناس من فرق بين ما يعتقدونه و إظهاره يضر بنا لأنه قدح في ديننا و بين ما يعتقدونه و إظهاره ليس بطعن في نفس ديننا و سيأتي إن شاء الله تعالى ذلك فإن فروع المسألة تظهر مأخذها
و قد قدمنا عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمحضر من المهاجرين و الأنصار للنصراني الذي قال إن الله لا يضل أحدا: إنا لم نعطك ما أعطيناك على أن تدخل علينا في ديننا فو الذي نفسي بيده لئن عدت لأخذن الذي فيه عيناك
و جميع ما ذكرناه من الآيات و الاعتبار يجيئ أيضا في ذلك فإن الجهاد واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا و حتى يكون الدين كله لله و حتى يظهر دين الله على الدين كله و حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون
و النهي عن إظهار المنكر واجب بحسب القدرة فإذا أظهروا كلمة الكفر و أعلنوها خرجوا عن العهد الذي عاهدونا عليه و الصغار الذي التزموه و وجب علينا أن نجاهد الذين أظهروا كلمة الكفر و جهادهم بالسيف لأنهم كفار لا عهد لهم و الله سبحانه أعلم