فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 322

الدليل الثامن على ذلك: أن الله سبحانه قال: { و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } [ الأحزاب: 53 ] فحرم على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه و جعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته و قد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: [ لو قد توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم تزوجت عائشة ] ثم إن من نكح أزواجه أو سراريه فإن عقوبته القتل جزاء له بما انتهك من حرمته فالشاتم له أولى

و الدليل على ذلك ما روى مسلم في صحيحه [ عن زهير عن عفان عن حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولد النبي صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي: [ اذهب فاضرب عنقه ] ] فأتاه علي فإذا هو ركي يتبرد فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي ثم أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر

فهذا الرجل أمر النبي صلى الله عليه و سلم بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته و لم يأمر بإقامة حد الزنا لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة بل إن كان محصنا رجم و إن كان غير محصن جلد و لا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر فلما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته و لعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه أو أنه بعث عليا ليرى القصة فإن كان ما بلغه عنه حقا قتله و لهذا قال في هذه القصة او غيرها:

[ أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ]

و يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم تزوج قيلة بنت قيس بن معدي كرب أخت الأشعث و مات قبل أن يدخل بها و قبل أن تقدم عليه و قيل: إنه خيرها بين أن يضرب عليها الحجاب و تحرم على المؤمنين و بين أن يطلقها فتنكح من شاءت فاختارت النكاح قالوا: فلما مات النبي صلى الله عليه و سلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ أبا بكر فقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما فقال عمر: ما هي من أمهات المؤمنين و لا دخل بها و لا ضرب عليها الحجاب و قيل: إنها ارتدت فاحتج عمر على أبي بكر أنها ليست من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم بارتدادها

فوجه الدلالة أن الصديق رضي الله عنه عزم على تحريقها و تحريق من تزوجها لما رأى أنها من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم حتى ناظره عمر أنها ليست من أزواجه فكف عنها لذلك فعلم أنهم كانوا يرون قتل من استحل حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم

و لا يقال: إن ذلك حد الزنا لأنها كانت محرمة عليه و من تزوج ذات محرم حد الزنا أو قتل لوجهين:

أحدهما: أن حد الزنا الرجم

الثاني: أن ذلك الحد يفتقر إلى ثبوت الوطء ببينة أو إقرار فلما أراد تحريق البيت مع جواز ألا يكون غشيها علم أن ذلك عقوبة ما انتهكه من حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت