فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 322

و اعلم أن هنا معنى لا بد من التنبيه عليه و هو أن الأسير الحربي الأصل لو أسلم فإن إسلامه لا يزيل عنه حكم الأسير بل إما يصير رقيقا للمسلمين بمنزلة النساء و الصبيان كأحد القولين في مذهب الشافعي و أحمد أو يخير الإمام فيه بين الثلاثة غير القتل على القول الآخر في المذهبين

و الدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا من بني عقيل و أصابوا معه العضباء فأتى عليه صلى الله عليه و سلم و هو في الوثاق فقال: يا محمد فأتاه فقال: ما شأنك ؟ فقال: بم أخذتني و أخذت سابقة الحاج ؟ يعني العضباء فقال: أخذتك جزية حلفائك [ من ] ثقيف ثم انصرف عنه فناداه: يا محمد يا محمد و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم رحيما رقيقا فرجع إليه فقال: ما شأنك ؟ قال: إني مسلم قال: لو قلتها و أنت تملك أمرك كل الفلاح ثم انصرف فناده: يا محمد يا محمد فأتاه فقال: ما شأنك ؟ فقال: إني جائع فاطعمني و ظمآن فاسقني قال: [ هذه حاجتك ففدي بالرجلين ]

فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنه إذا أسلم بعد الأسر لم يفلح كل الفلاح كما إذا أسلم قبل الأسر و إن ذلك الإسلام لا يوجب إطلاقه

و كذلك العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أظهر الإسلام بعد الأسر بل أخبر أنه قد أسلم قبل ذلك فلم يطلقه النبي صلى الله عليه و سلم حتى فدى نفسه و القياس يقتضي ذلك فإنه لو أسلم رقيق للمسلمين لم يمنع ذلك دوام رقه فكذلك إسلام الأسير لا يمنع دوام أسره لأنه نوع رق و مجوز للاسترقاق كما أن إسلامه لا يوجب أن يرد عليه ما أخذ من ماله قبل الإسلام فإذا كان هذا حال من أسلم بعد أن أسر ممن هو حربي الأصل فهذا الناقض للعهد حاله أشد بلا ريب فإذا أسلم بعد أن نقض العهد و هو في أيدينا لم يجز أن يقال: إنه يطلق بل بحيث قلنا قد عصم دمه فإما أن يصير رقيقا و للإمام أن يبيعه بعد ذلك و ثمنه لبيت المال أو أنه يتخير فيه و هذا قياس قول من يجوز استرقاق ناقض العهد و من لم يجوز استرقاقهم فإنه يجعل هذا بمنزلة المرتد و يقول: إذا عاد إلى الإسلام لم يسترق و لم يقتل

و معنى قوله عليه الصلاة و السلام: [ لو أسلمت و أنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح ] دليل على أن من أسلم و لا يملك أمره لم يكن حاله كحال من أسلم و هو مالك أمره فلا تجوز التسوية بينهما بحال و في هذا أيضا دليل على أن إذا بذل لم يجب إطلاقه فإنه إذا لم يجب إطلاقه بالإسلام فببذل الجزية أولى لكن ليس في الحديث ما ينفي استرقاقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت