و حينئذ فالجواب من وجوه:
أحدهما: أن الموضع الذي ثبت فيه قبول توبته فيما بينه و بين الله من حق الله و حق عباده ليس هو الموضع الذي ينتقض فيه عهده و يقتل و إن تاب فإن ادعى أنه يسقط حق العباد في جميع الصور فهذا محل منع لما فيه من الخلاف فلابد من إقامة الدلالة على ذلك و الأدلة المذكورة لم تتناول السب الظاهر الذي ينتقض به العهد
الوجه الثاني: أن صحة التوبة فيما بينه و بين الله لا تسقط حقوق العباد من العقوبة المشروعة في الدنيا فإن من تاب من قتل أو قذف أو قطع طريق أو غير ذلك فيما بينه و بين الله فإن ذلك لا يسقط حقوق العباد من القود و حد القذف و ضمان المال و هذا السب فيه حق لآدمي فإن كانت التوبة يغفر له بها ذنبه المتعلق بحق الله و حق عباده فإن ذلك لا يوجب سقوط حقوق العباد من العقوبة
الوجه الثالث: أن من يقول بقبول التوبة من ذلك في الباطن بكل حال يقول: [ إن توبة العبد فيما بينه و بين الله ممكنة من جميع الذنوب حتى إنه لو سب سرا آحادا من الناس موتى ثم تاب و استغفر لهم بذل سبهم لرجي أن يغفر الله له و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فكذلك ساب الأنبياء و الرسل لو لم تقبل توبته و تغفر زلته لانسد باب التوبة و قطع طريق المغفرة و الرحمة و قد قال الله تعالى لما نهى عن الغيبة: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه و اتقوا الله إن الله تواب رحيم } [ الحجرات: 12 ]
فعلم أن المغتاب له سبيل إلى التوبة بكل حال و إن كان الذي اغتيب ميتا أو غائبا بل أصح الروايتين ليس عليه أن يستحله في الدنيا إذا لم يكن علم فإن فساد ذلك أكثر من صلاحه و في الأثر: [ كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ] و قد قال تعالى: { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود: 114 ]
أما إذا كان الرسول حيا و قد بلغه السب فقد يقول هنا: إن التوبة لا تصح حتى يستحل الرسول و يعفو عنه كما فعل أنس بن زنيم و أبو سفيان ابن الحارث و عبد الله بن أبي أمية و عبد الله بن سعد بن أبي سرح و ابن الزبعرى و إحدى القينتين و كعب بن زهير و غيرهم كما دلت عليه السيرة لمن تدبرها و قد قال كعب بن زهير:
( نبئت أن رسول الله أوعدني ... و العفو عند رسول الله مأمول )
و إنما بطلب العفو في شيء يجوز فيه العفو و الانتقام و إنما يقال [ أوعده ] إذا حكم الإيعاد باقيا بعد الإسلام و إلا فلو كان الإيعاد معلقا ببقائه على الكفر لم يبق إيعاد
إذا تقرر هذا فصحة التوبة فيما بينه و بين الله و سقوط حق الرسول بما أبدله من الإيمان به الموجب لحقوقه لا يمنع أن يقيم عليه حد الرسول إذا ثبت عند السلطان و إن أظهر التوبة بعد ذلك كالتوبة من جميع الكبائر الموجبة للعقوبات المشروعة سواء كانت حقا لله أو حقا لآدمي فإن توبة العبد فيما بينه و بين الله ـ بحسب الإمكان ـ صحيحة مع أنه إذا ظهر عليه أقيم عليه الحد و قد أسلفنا أن حق الرسول فيه حق لله و حق لآدمي و أنه من كلا الوجهين يجب استيفاؤه إذا رفع إلى السلطان و إن أظهر الجاني التوبة بعد الشهادة
و أما ما ذكروه من كون سب الرسول ليس بأعظم من سب الله و أن ما فيه من الشرف فلأجله ففي الجواب عنه طريقتان:
أحدهما: أنه لا فرق بين البابين فإن ساب الله أيضا يقتل و لا تسقط التوبة القتل عنه إما لكونه دليلا على الزندقة في الإيمان و الأمان أو لكونه ليس مجرد ردة و نقض و إنما هو من باب الاستخفاف بالله و الاستهانة و مثل هذا لا يسقط القتل عنه إذا تاب بعد الشهادة عليه كما لا يسقط القتل عنه إذا انتهك محارمه فإن انتهاك حرمته أعظم من انتهاك محارمه و سيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك و من قاله من أصحابنا و غيرهم و من أجاب بهذا لم يورد عليه صحة إسلام النصراني و نحوه و قبول توبتهم لأنه لا خلاف في قبول التوبة فيما بينه وبين الله و في قبول التوبة مطلقا إذا لم يظهروا السب و إنما الخلاف فيما إذا أظهر النصراني ما هو سب و طعن و دعاؤهم إلى التوبة لا يمنع إقامة الحدود عليهم إذا كانوا معاهدين كقوله سبحانه و تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين و المؤمنات ثم لم يتوبوا } [ البروج: 10 ] و كانت فتنتهم أنهم ألقوهم في النار حتى كفروا و لو فعل هذا معاهد بمسلم فإنه يقتل و إن أسلم بالاتفاق و إن كانت توبته فيما بينه و بين الله مقبولة
و أيضا فإن مقالات الكفار التي يعتقدونها ليست من السب المذكور فإنهم يعتقدون هذا تعظيما لله و دينا له و إنما الكلام في السب الذي هو سب عند الساب و غيره من الناس و فرق بين من يتكلم في حقه بكلام يعتقده تعظيما له و بين من يتكلم بكلام يعلم أنه استهزاء به و استخفاف به و لهذا فرق في القتل و الزنا و السرقة و الشرب و القذف و نحوهن بين المستحل لذلك المعذور و بين من يعلم التحريم
و كذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم: [ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ]
و قوله فيما يروي عن ربه عز و جل: [ يؤذيني ابن آدم يسب الدهر و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل و النهار ]
فإن من سب الدهر من الخلق لم يقصد سب الله سبحانه و إنما قصد أن يسب من فعل به ذلك الفعل مضيفا له إلى الدهر فيقع السب على الله لأنه هو الفاعل في الحقيقة سواء قلنا إن الدهر اسم من أسماء الله تعالى كما قال [ نعيم بن حماد ] أو قلنا إنه ليس باسم و إنما قوله: [ أنا الدهر ] أي أنا الذي أفعل ما ينسبونه إلى الدهر و يوقعون السب عليه كما قال أبو عبيدة و الأكثرون
و لهذا يكفر من سب الدهر و لا يقتل لكن يؤدب و يعزر لسوء منطقه و السب المذكور في قوله تعالى: { و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } [ الأنعام: 108 ]
قد قيل: إن المسلمين كانوا إذا سبوا آلهة الكفار من يأمرهم بذلك و إلههم الذين يعبدونه معرضين عن كونه ربهم و إلههم فيقع سبهم على الله لأنه إلهنا و معبودنا فيكونوا سابين لمصوف و هو الله سبحانه و لهذا قال سبحانه: { عدوا بغير علم } و هو شبيه الدهر من بعض الوجوه
و قيل: كانوا يصرحون بسب الله عدوا و غلوا في الكفر قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار الله بغير علم فأنزل الله: { و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم }
و قال أيضا: كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيردون عليهم فنهاهم الله تعالى أن يستسبوا لربهم قوما جهلة لا علم لهم بالله و ذلك أنه في اللجاجة أن يسب الجاهل من يعظمه مراغمة لعدوه إذا كان يعظمه أيضا كما قال بعض الحمقى:
( سبوا عليا كما سبوا عتيقكم ... كفرا بكفر و إيمانا بإيمان )
و كما يقول بعض الجهال: مقابلة الفاسد بمثله و كما قد تحمل بعض جهال المسلمين الحمية على أن يسب عيسى إذا جاهره المحاربون بسب رسول الله عليه الصلاة و السلام و هذا من الموجبات للقتل
الطريقة الثانية: طريقة من فرق بين سب الله و سب رسوله و ذلك من وجوه:
أحدها: أن سب الله حق محض لله و ذلك يسقط بالتوبة كالزنا و السرقة و شرب الخمر و سب النبي عليه الصلاة و السلام فيه حقان: لله و للعبد و لا يسقط حق الآدمي بالتوبة كالقتل في المحاربة هذا فرق القاضي أبي يعلى في خلافه
الوجه الثاني: أن النبي عليه الصلاة و السلام تلحقه المعرة بالسب لأنه مخلوق و هو جنس الآدميين الذين تلحقهم المعرة و الغضاضة بالسب و الشتم و كذلك يثابون على سبهم و يعطيهم الله من حسنات الشاتم أو من عنده عوضا على ما أصابهم من المعصية بالشتم فمن سبه فقد انتقص حرمته و الخالق سبحانه لا تلحقه معرة و لا غضاضة بذلك فإنه منزه عن لحوق المنافع و المضار كما قال سبحانه فيما يرويه عنه رسول الله عليه الصلاة و السلام: [ يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ]
و إذا كان سب النبي صلى الله عليه و سلم قد يؤثر انتقاصه في النفوس و تلحقه بذلك معرة و ضيم و ربما كان سببا للتنفير عنه و قلة هيبته و سقوط حرمته شرعت العقوبة على خصوص الفساد الحاصل بسبه بالتوبة كالعقوبة على جميع الجرائم و أما ساب الله سبحانه فإنه يضر نفسه بمنزلة الكافر و المرتد فمتى تاب زال ضرر نفسه فلا يقتل
و هذا الفرق ذكره طوائف من المالكية و الشافعية و الحنبلية منهم القاضي عبد الوهاب بن نصر و القاضي أبو يعلى في: المجرد و أبو علي ابن البناء و ابن عقيل و غيرهم و هو يتوجه مع قولنا: [ إن سب النبي عليه الصلاة و السلام حد الله كالزنا و السرقة ]
يؤيد ذلك أن القذف بالكفر أعظم من القذف بالزنا ثم لم يشرع عليه حد مقدر كما شرع على الرمي بالزنا و ذلك لأن المقذوف بالكفر لا يلحق العار الذي يلحقه بالرمي بالزنا لأنه بما يظهر من الإيمان يعلم كذب القاذف و بما يظهره من التوبة تزول عنه تلك المعرة بخلاف الزنا فإنه يستسر به و لا يمكنه إظهار البراءة منه و لا تزول معرته في عرف الناس عند إظهار التوبة فلذلك ساب الرسول يلحق بالذين و أهله من المعرة ما لا يلحقهم إذا سب الله لكون المنافي لسب الله ظاهرا معلوما لكل أحد يشترك فيه كل الناس
الوجه الثالث: إن النبي عليه الصلاة و السلام إنما يسب على وجه الاستخفاف به و الاستهانة و للنفوس الكافرة و المنافقة إلى ذلك داع: من جهة الحسد على ما آتاه الله من فضله و من جهة المخالفة في دينه و من جهة المراغمة لأمته و كل مفسدة يكون إليها داع فلا بد من شرع العقوبة عليها حدا و كل ما شرعت العقوبة عليه يسقط بالتوبة كسائر الجرائم و أما سب الله سبحانه فإنه لا يقع في الغالب استخفافا و استهانة و إنما يقع تدينا و اعتقادا و ليس للنفوس في الغالب داع إلى إلقاء السب إلا عن اعتقاد يرونه تعظيما و تمجيدا و إذا كان كذلك لم يحتج خصوص السب إلى شرع زاجر بل هو نوع من الكفر فيقتل الإنسان عليه كردته و كفره إلا أن يتوب
و هذا الوجه من نمط الذي قبله و الفرق بينهما أن ذلك بيان لن مفسدة السب لا تزول بإظهار التوبة بخلاف مفسدة سب الله تعالى و الثاني بيان لأن سب الرسول إليه داع طبعي فيشرع الزجر عليه لخصوصه كشرب الخمر و سب الله تعالى ليس إليه داع طبعي فلا يحتاج خصوصه إلى زجر آخر كشرب البول و أكل الميتة و الدم
و الوجه الرابع: أن سب النبي عليه الصلاة و السلام حد وجب لسب آدمي ميت لم يعلم أنه عفا عنه و ذلك لا يسقط بالتوبة بخلاف سب الله تعالى فإنه قد علم أنه قد عفا عمن سبه إذا تاب و ذلك أن سب الرسول متردد في سقوط حده بالتوبة بين سب الله و سب سائر الآدميين فيجب إلحاقه بأشبه الأصليين به و معلوم أن سب الآدمي إنما لا يسقط عقوبته بالتوبة لأن حقوق الآدميين لا يسقط بالتوبة لأنهم ينتفعون باستيفاء حقوقهم و لا ينتفعون بتوبة التائب فإذا تاب من للآدمي عليه حق قصاص أو قذف فإن له أن يأخذه منه لينتفع به تشفيا و درك ثأر و صيانة عرض و حق الله قد علم سقوطه بالتوبة لأنه سبحانه إنما أوجب الحقوق لينتفع بها العباد فإذا رجعوا إلى ما ينفعهم حصل مقصود الإيجاب و حينئذ فلا ريب أن حرمة الرسول ألحقت بحرمة الله من جهة التغليظ لأن الطعن فيه طعن في دين الله و كتابه و هو من الخلق الذين لا تسقط حقوقهم بالتوبة لأنهم ينتفعون باستفاء الحقوق ممن هي عليه
و قد ذكرنا ما دل على ذلك من أن رسول الله عليه الصلاة و السلام كان له أن يعاقب من آذاه و إن جاءه تائبا و هو عليه الصلاة و السلام كما أنه بلغ الرسالة لينتفع بها العباد فإذا تابوا و رجعوا إلى ما أمرهم به فقد حصل مقصودة فهو أيضا يتألم بأذاهم له فله أن يعاقب من آذاه تحصيلا لمصلحة نفسه كما أنه يأكل و يشرب فإن تمكين البشر من استيفاء حقه ممن بغى عليه من جملة مصالح الإنسان و لو لا ذلك لماتت النفوس غما ثم إليه الخيرة في العفو و الانتقام فقد تترجح عنده مصلحة الانتقام فيكون فاعلا لأمر مباح و حظ جائز كما له أن يتزوج النساء و قد يترجح العفو
و الأنبياء عليهم السلام منهم من كان قد يترجح عنده أحيانا الانتقام و يشدد الله قلوبهم فيه حتى تكون أشد من الصخر كنوح و موسى و منهم من كان يترجح عنده العفو فيلين الله قلوبهم فيه حتى تكون ألين من اللين كإبراهيم و عيسى فإذا تعذر عفوه عن حقه تعين استفاؤه و إلا لزم إهدار حقه بالكلية
قولهم: [ إذا سقط المتبوع بالإسلام فالتابع أولى ]
قلنا: هو تابع من حيث تغلظت عقوبته لا من حيث إن له حقا في الاستيفاء لا ينجبر بالتوبة
قولهم: [ ساب الواحد من الناس لا يختلف حاله بين ما قبل الإسلام و بعده و بخلاف ساب الرسول ]
عنه جوابان:
أحدهما المنع فإن سب الذمي للمسلم جائز عنده لأنه يعتقد كفره و ضلاله و إنما يحرمه عنده العهد الذي بيننا و بينه فلا فرق بينهما و إن فرض الكلام في سب خارج عن الدين مثل الرمي بالزنا و الافتراء عليه و نحو ذلك فلا فرق ذلك بين سب الرسول و سب الواحد من أهل الذمة و لا ريب أن الكافر إذا أسلم صار أخا للمسلم يؤذيه ما يؤذيهم و صار معتقدا لحرمة أعراضهم و زال المبيح لانتهاك أعراضهم و مع ذلك لا يسقط حق المشتوم بإسلامه و قد تقدم هذا الوجه غير مرة
الثاني: أن شاتم الواحد من الناس لو تاب و أظهر براءة المشتوم و أثنى عليه و دعا له بعد رفعه إلى السلطان كان له أن يستوفى حده مع ذلك فلا فرق بينه و بين شاتم الرسول إذا أظهر اعتقاد رسالته و علو منزلته و سبب ذلك أن إظهار مثل هذه التوبة لا يزيل ما لحق المشتوم من الغضاضة و المعرة بل قد يحمل ذلك على خوف العقوبة و تبقى آثار السب الأول جارحة فإن لم يمكن المشتوم من أخذ حقه بكل حال لم يندمل جرحه
قولهم: [ القتل حق الرسالة و أما البشرية فإنما لها حقوق البشرية و التوبة تقطع حق الرسالة ]
قلنا: لا نسلم ذلك بل هو من حيث هو بشر مفصل في بشريته على الآدميين تفضيلا يوجب قتل سابه و لو كان القتل إنما وجب لكونه قدحا في النبوة لكان مثل غيره من أنواع الكفر و لم يكن خصوص السب موجبا للقتل و قد قدمنا من الأدلة ما يدل على أن خصوص السب موجب للقتل و انه ليس بمنزلة سائر أنواع الكفر و من سوى بين الساب و بين المعرض عن تصديقه فقط في العقوبة فقد خالف الكتاب و السنة الظاهرة و الإجماع الماضي و خالف المعقول و سوى بين الشيئين المتباينين كون القاذف له لم يجب عليه مع القتل جلد ثمانين أوضح دليل على أن القتل عقوبة لخصوص السب و إلا كان قد اجتمع حقان: حق لله ـ و هو تكذيب رسوله فيوجب القتل ـ و حق لرسوله ـ و هو سبه فيوجب الجلد على هذا الرأي ـ فكان ينبغي قبل التوبة على هذا أن يجتمع عليه الحدان كما لو ارتد و قذف مسلما و بعد التوبة يستوفي منه حد القذف فكان إنما للنبي عليه الصلاة و السلام أن يعاقب من سبه و جاء تائبا بالجلد فقط كما أنه ليس لإمام أن يعاقب قاطع الطريق إذا جاء تائبا إلا بالقود و نحوه مما هو خالص حق الآدمي و لو سلمنا أن القتل حق الرسالة فقط فهو ردة مغلظة بما فيه ضرر أو نقض مغلظ بما فيه ضرر كما لو اقترن بالنقض حراب و فساد بالفعل من قطع طريق و زنا بمسلمة و غير ذلك فإن القتل هنا حق لله و مع هذا لم يسقط بالتوبة و الإسلام و هذا المأخذ متحقق سواء قلنا إن ساب الله يقتل بعد التوبة أو لا يقتل كما تقدم تقريره
قولهم: [ إذا أسلم سقط القتل المتعلق بالرسالة ]
قلنا: هذا ممنوع أما إذا سوينا بينه و بين سب الله فظاهر و إن فرقنا فإن هذا شبه من باب فعل المحارب لله و رسوله الساعي في الأرض فسادا و الحاجة داعية إلى ردع أمثاله كما تقدم و إن سلمنا سقوط الحق المتعلق بالكفر بالرسالة لكن لم يسقط الحق المتعلق بشتم الرسول و سبه فإن هذه جناية زائدة على نفس الرسول مع إلتزام تركها فإن الذمي يلتزم لنا أن لا يظهر السب و ليس ملتزما لنا أن لا يكفر به فكيف يجعل ما التزم تركه من جنس ما أقررناه عليه ؟ و جماع الأمر أن هذه الجناية على الرسالة له نقض يتضمن حرابا و فسادا أو ردة تضمنت فسادا و حرابا و سقوط القتل عن مثل هذا ممنوع كما تقدم
قولهم: [ حق البشرية انغمر في حق الرسالة و حق الأدمي انغمر في حق الله ]
قلنا: هذه دعوى محضة و لو كان كذلك لما جاز للنبي عليه الصلاة و السلام العفو عمن سبه و لا جاز عقوبته بعد مجيئه تائبا و لا احتيج خصوص السب أن يفرد بذكر العقوبة لعلم كل أحد أن سب الرسول أغلظ من الكفر به فلما جاءت الأحاديث و الآثار في خصوص سب الرسول بالقتل علم أن ذلك لخاصة في السب و إن اندرج في عموم الكفر
و أيضا فحق العبد لا ينغمر في حق الله قط نعم العكس موجود كما تندرج عقوبة القاتل و القاذف على عصيانه في القود و حد القذف و أما أن يندرج حق العبد في حق الله فباطل فإن من جنى جناية واحدة تعلق بها حقان لله و لآدمي ثم سقط حق الله لم يسقط حق الآدمي سواء كان من جنس أو جنسين كما لو جنى جنايات متفرقة كمن قتل في قطع الطريق فإنه إذا سقط عنه تحتم القتل لم يسقط عنه القتل و لو سرق سرقة ثم سقط عنه القطع لم يسقط عنه الغرم بإجماع المسلمين حتى عند من قال:[ إن القطع و الغرم لا يجتمعان نعم إذا جنى جناية واحدة فيها حقان لله و لآدمي: فإن كان موجب الحقين من جنس واحد تداخلا و إن كانا من جنسين ففي التداخل خلاف معروف مثال الأول قتل المحارب فإنه يوجب القتل حقا لله و للآدمي و القتل لا يتعدد فمتى قتل لم يبق للآدمي حق في تركته من الدية و إن كان له أن يأخذ الدية إذا قتل عدة مقتولين فيقتل بعضهم عند الشافعي و أحمد و غيرهما
أما إن قلنا: [ إن موجب العمد القود عينا ] فظاهر و إن قلنا: [ إن موجبه أحد شيئين ] فإنما ذاك حيث يمكن العفو و هنا لا يمكن العفو و صار موجبه القود عينا و ولي استيفائه الإمام لأن ولايته أعم و مثال الثاني: أخذ المال سرقة و إتلافه فإنه موجب للقطع حدا لله و موجب للغرم حقا لآدمي و لهذا قال الكوفيون: [ إن حق الآدمي يدخل في القطع فلا يجب ] و قال الأكثرون: [ بل يغرم للآدمي ماله و إن قطعت يده ]
و إما إذا جنى جنايات متفرقة لكل جناية حد فإن كانت لله و هي من جنس واحد تداخلت بالاتفاق و إن كانت من أجناس و فيها القتل تداخلت عند الجمهور و لم تتداخل عند الشافعي و إن كانت لآدمي لم تتداخل عند الجمهور و عند مالك تتداخل في القتل إلا حد القذف فهنا هذا الشاتم الساب لا ريب أنه يتعلق بسبه حق لآدمي و نحن نقول: [ إن موجب كل منهما القتل ] و من ينازعنا إما أن يقول: [ اندرج حق الآدمي في حق الله أو موجبه الجلد ] فإذا قتل فلا كلام إلا عند من يقول: إن موجبه الجلد فإنه يجب أن يخرج على الخلاف و أما إذا أسقط حق الله بالتوبة فكيف يسقط حق العبد ؟ فإنا لا نحفظ لهذا نظيرا بل النظائر تخالفه كما ذكرناه و السنة تدل على خلافه و إثبات حكم بلا أصل و لا نظير غير جائز بل مخالفته للآصول دليل على بطلانه
و أيضا فهب أن هذا حد محض لله لكن لم يقال: [ أنه يسقط بالتوبة ] ؟ و قد قدمنا أن الردة و نقض العهد نوعان: مجرد و مغلظ فما تغلظ منه بما يضر المسلمين يجب قتل صاحبه بكل حال و إن تاب و بينا أن السب من هذا النوع
و أيضا فأقصى ما يقال أن يلحق هذا السب بسب الله و فيه من الخلاف ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى
و أما ما ذكر من الفرق بين سب المسلم و سب الكافر فهو ـ و إن كان له توجه كما للتسوية بينهما في سقوط توجه أيضا ـ فإنه معارض بما يدل على أن الكافر أولى بالقتل بكل حال من المسلم و كذلك أن الكافر قد ثبت المبيح لدمه و هو الكفر و إنما عصمه العهد و إظهاره السب لا ريب أنه محاربة لله و رسوله و إفساد في الأرض و نكاية في المسلمين فقد تحقق الفساد من جهته و إظهاره التوبة بعد القدرة عليه لا يوثق بها كتوبة غيره من المحاربين لله و رسوله الساعين في الأرض فسادا بخلاف من علم منه الإسلام و صدرت منه الكلمة من السب مع إمكان أنها لم تصدر عن اعتقاد بل خرجت سفها أو غلظا فإذا عاد إلى الإسلام ـ مع أنه لم يزل يتدين به لم يعلم منه خلافه ـ كان أولى لقبول توبته لأن ذنبه أصغر و توبته أقرب إلى الصحة
ثم إنه يجاب عنه بأن إظهار المسلم تجديد الإسلام بمنزلة إظهار الذمي الإسلام لأن الذمي كان يزعه عن إظهار سبه ما أظهره من الأمان كما يزع المسلم ما أظهره من عقد الإيمان فإذا كان المسلم الآن إنما يظهر عقد إيمان قد ظهر ما يدل على فساده فكلك الذمي إنما يظهر عقد إيمان قد ظهر ما يدل على فساده فإن من يتهم في أمانه يتهم في إيمانه و يكون منافقا في الإيمان كما كان منافقا في الأمان بل ربما كان حال هذا الذي تاب بعد معاينة السيف أشد على المسلمين من حاله قبل التوبة فإنه كان في ذلة الكفر و الآن فإنه قد يشرك المسلمين في ظاهر العز مع ما ظهر من نفاقه و خبثه الذي لم يظهر ما يدل على زواله على أن في تعليل سبه بالزندقة نظرا فإن السب أمر ظاهر أظهره و لم يظهر منه ما يدل على استبطانه إياه قبل ذلك و من الجائز أن يكون قد حدث له ما أوجب الردة
نعم إن كان ممن تكرر ذلك منه أو له دلالات على سوء العقيدة فهنا الزندقة ظاهرة لكن يقال نحن نقتله للأمرين لكونه زنديقا و لكونه سابا كما نقتل الذمي لكونه كافرا غير ذي عهد و لكونه سابا فإن الفرق بين المسلم و الذمي في الزندقة لا يمنع اجتماعهما في علة أخرى تقتضي كون السب موجبا للقتل و إن أحدث الساب اعتقادا صحيحا بعد ذلك بل قد يقال: إن السب إذا كان موجبا للقتل قتل صاحبه و إن كان صحيح الاعتقاد في الباطن في حال سبه كسبه لله تعالى و كالقذف في إيجايه للجلد و كسب جميع البشر
و أما الفرق الثاني الذي مبناه على أن السب يوجب قتل المسلم حدا لأن مفسدته لا تزول بسقوطه تجديد الإسلام بخلاف سب الكافر فمضمونه أنا ترخص لأهل الذمة في إظهار السب إذا أظهروا بعده الإسلام و نأذن لهم أنم يشتموا ثم بعد ذلك يسلمون و ما هذا إلا بمثابة أن يقال: علم الذمي بأنه إذا زنى بمسلمة أو قطع الطريق أخذ فقتل إلا أن يسلم يزعه عن هذه المفاسد إلا أن يكون ممن يريد الإسلام و إذا أسلم فالإسلام يجب ما كان قبله و معلوم أن معنى هذا أن الذمي يحتمل منه ما يقوله و يفعله من أنواع المحاربة و الفساد إذ قصد أن يسلم و معلوم من أن هذا غير جائز
فإن الكلمة الواحدة من سب النبي صلى الله عليه و سلم لا تحتمل بإسلام ألوف من الكفار و لأن يظهر دين الله ظهورا يمنع أحدا أن ينطق فيه بطعن أحب إلى الله و رسوله أن يدخل فيه أقوام و هو منتهك مستهان
و كثير ممن يسب الأنبياء من أهل الذمة قد يكون زنديقا لا يبالي إلى أي دين انتسب فلا يبالي أن ينال غرضه من السب ثم يظهر الإسلام كالمنافق سواء ثم هذا يوجب الطمع منهم في عرضه فإنه ما دام العدو يرجو أن يستبقى و لو بوجه لم يزعه ذلك عن إظهار مقصودة في وقت ما ثم إن ثبت ذلك عليه و رفع إلى السلطان و آمر بقتله أظهر الإسلام و إلا فقد حصل غرضه و كل فساد قصد إزالته بالكلية لم يجعل لفاعله سبيل إلى استبقائه بعد الأخذ كالزنا و السرقة و قطع الطريق فإن كان مقصود الشارع من تطهير الدار من ظهور كلمة الكفر و الطعن في الدين أبلغ من مقصوده من تطهيرها من وجوه هذه القبائح ابتغى أن يكون تحتم عقوبة من فعل ذلك أبلغ من تحتم عقوبة هؤلاء
و فقه هذا الجواب أن تعلم أن ظهور الطعن في الدين من سب الرسول و نحوه فساد عريض وراء مجرد الكفر فلا يكون حصول الإسلام ماحيا لذلك الفساد
و اما الفرق الثالث قولهم: [ إن الكافر لم يلتزم تحريم السب ] فباطل فإنه لا فرق بين إظهار لسب النبي صلى الله عليه و سلم و بين إظهاره لسب آحاد من المسلمين و بين سفك دمائهم و أخذ أموالهم فإنه لولا العهد لم يكن فرق عنده بيننا و بين سائر من يخالفه في دينه من المحاربين و معلوم انه يستحل ذلك كله منهم ثم إنه بالعهد صار ذلك محرما عليه في دينه منا لأجل العهد فإذا فعل شيئا من ذلك أقيم عليه حده و إن أسلم سواء انتقض عهده بما يفعله أو لم ينتقض فتارة يجب عليه الحد مع بقاءه العهد كما لو سرق أو قذف مسلما و تارة ينتقض عهده و لا حد عليه فيصير بمنزلة المحاربين و تارة يجب عليه الحد و ينتقض عهده كما إذا سب الرسول أو زنى بمسلمة أو قطع الطريق على المسلمين فهذا يقتل و إن أسلم و عقوبة هذا النوع من الجنايات القتل حتما كعقوبة القاتل في المحاربة من المسلمين جزاء له على ما فعل من فساد الذي التزم بعقد الإيمان أن لا يفعله مع كونه مثل ذلك الفساد موجبا للقتل و نكالا لأمثاله عن فعل مثل هذا إذا علموا أنه لا يترك صاحبه حتى يقتل فهذا هو الجواب عما ذكر من الحجج للمخالف مع أن فيما تقدم من كلامنا ما يغني عن الجواب لمن تبينت له المآخذ و الله سبحانه و تعالى أعلم