و إن كان الساب لله ذميا فهو كما لو سب الرسول و قد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل سواء كان مسلما أو كافرا و كذلك أصحابنا قالوا: [ من ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء ] فجعلوا الحكم فيه واحدا و قالوا: [ الخلاف في ذكر الله و في ذكر النبي عليه الصلاة و السلام سواء ] و كذلك مذهب مالك و أصحابه و كذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب الله و رسوله أو كتابه من أهل الذمة حكما واحدا لكن هنا مسألتان: إحداهما: أن سب الله تعالى على قسمين أحدهما: أن يسبه بما لا يتدين به مما هو استهانة عند المتكلم و غيره مثل اللعن و التقبيح و نحوه فهذا هو السب الذي لا ريب فيه
و الثاني: أن يكون مما يتدين به و يعتقده تعظيما و لا يراه سبا و لا انتقاصا مثل قول النصراني: إن له و صاحبة و نحوه فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره الذمي فقال القاضي و ابن عقيل من أصحابنا: [ ينتقض به العهد كما ينتقض إذا أظهروا اعتقادهم في النبي عليه الصلاة و السلام ] و هو مقتضى ما ذكره الشريف أبو جعفر و أبو الخطاب و غيرهما: فإنهم ذكروا أن ما ينتقض الإيمان ينقض الذمة و يحكى هذا عن طائفة من المالكية و وجه ذلك أنا عاهدناهم على أن لا يظهروا شيئا من الكفر و إن كانوا يعتقدونه فمتى أظهروا مثل ذلك فقد آذوا الله و رسوله و المؤمنين بذلك و خالفوا العهد فينتقض العهد بذلك كسب النبي صلى الله عليه و سلم و قد تقدم عن عمر رضي الله عنه أنه قال للنصراني الذي كذب بالقدر: لئن عدت إلى مثل ذلك لأضربن عنقك و قد تقدم ما تقرر ذلك
والمنصوص عن مالك أن من شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفروا به قتل و لم يستتب قال ابن القاسم: [ إلا أن يسلم تطوعا ] فلم يجعل ما يتدين به الذمي سبا و هذا قول عامة المالكية و هو مذهب الشافعي ذكره أصحابه و هو منصوصه قال في [ الأم ] في تحديد الإمام ما يخذه من أهل الذمة: [ و على أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا بما هو أهله و لا يطعنوا في دين الإسلام و لا يعيبوا من حكمه شيئا فإن فعلوه فلا ذمة لهم و يأخذ عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم و قولهم في عزير و عيسى فإن وجدوهم فعلوا بعد التقدم في عزير و عيسى إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا يبلغ بها حدا لأنهم قد أذن بإقرارهم على دينهم مع علم ما يقولون ]
و هذا ظاهر كلام الإمام أحمد لأنه سئل عن يهودي مر بؤذون فقال له: [ كذبت ] فقال: [ يقتل لأنه شتم ] فعلل قتله بأنه شتم فعلم أن ما يظهره من دينه الذي ليس بشتم ليس كذلك قال رضي الله عنه: [ من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا و هذا مذهب أهل المدينة ] و إنما مذهب أهل المدينة فيما هو سب عند القائل و ذلك أن هذا القسم ليس من باب السب و الشتم الذي يلحق بسب الله و سب النبي عليه الصلاة و السلام لأن الكافر لا يقول هذا طعنا و لا عيبا و إنما يعتقده تعظيما و إجلالا و ليس هو و لا أحد من الخلق يتدين بسب الله تعالى بخلاف ما يقال في حق النبي صلى الله عليه و سلم من السوء فإنه لا يقال إلا طعنا و عيبا و ذلك أن الكافر يتدين بكثير من تعظيم الله و ليس يتدين بشيء من تعظيم الرسول
ألا ترى أنه قال: [ محمد عليه الصلاة و السلام ساحر أو شاعر ] فهو يقول: إن هذا نقض و عيب و إذا قال: [ إن المسيح أو عزيرا ابن الله ] فليس يقول: إن هذا عيب و نقض و إن كان هذا عيبا و نقضا في الحقيقة
و فرق بين قول يقصد به قائله العيب و النقض و قول لا يقصد به ذلك و لا يجوز أن يجعل قولهم في الله كقولهم في الرسول بحيث يجعل الجميع نقضا للعهد إذ يفرق في الجميع ما يعتقدونه و بين ما لا يعتقدونه لأن قولهم في الرسول كله طعن في الدين و غضاضة على الإسلام و إظهار لعداوة المسلمين يقصدون به عيب الرسول و نقضه و ليس مجرد قولهم الذي يعتقدونه في الله مما يقصدون به عيب و نقصه
ألا ترى ان قريشا كانت تقار النبي عليه الصلاة و السلام على ما كان يقوله من التوحيد و عبادة الله وحده و لا يقارونه على عيب آلهتهم و الطعن في دينهم و ذم آبائهم و قد نهى الله المسلمين أن يسبوا الأوثان لئلا يسب المشركون الله مع كونهم لم يزالوا على الشرك فعلم أن محذور سب الله أغلظ من محذور الكفر به فلا يجعل حكمها واحدا