فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 322

و إن كان الساب لله ذميا فهو كما لو سب الرسول و قد تقدم نص الإمام أحمد على أن من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب سبحانه فإنه يقتل سواء كان مسلما أو كافرا و كذلك أصحابنا قالوا: [ من ذكر الله أو كتابه أو دينه أو رسوله بسوء ] فجعلوا الحكم فيه واحدا و قالوا: [ الخلاف في ذكر الله و في ذكر النبي عليه الصلاة و السلام سواء ] و كذلك مذهب مالك و أصحابه و كذلك أصحاب الشافعي ذكروا لمن سب الله و رسوله أو كتابه من أهل الذمة حكما واحدا لكن هنا مسألتان: إحداهما: أن سب الله تعالى على قسمين أحدهما: أن يسبه بما لا يتدين به مما هو استهانة عند المتكلم و غيره مثل اللعن و التقبيح و نحوه فهذا هو السب الذي لا ريب فيه

و الثاني: أن يكون مما يتدين به و يعتقده تعظيما و لا يراه سبا و لا انتقاصا مثل قول النصراني: إن له و صاحبة و نحوه فهذا مما اختلف فيه إذا أظهره الذمي فقال القاضي و ابن عقيل من أصحابنا: [ ينتقض به العهد كما ينتقض إذا أظهروا اعتقادهم في النبي عليه الصلاة و السلام ] و هو مقتضى ما ذكره الشريف أبو جعفر و أبو الخطاب و غيرهما: فإنهم ذكروا أن ما ينتقض الإيمان ينقض الذمة و يحكى هذا عن طائفة من المالكية و وجه ذلك أنا عاهدناهم على أن لا يظهروا شيئا من الكفر و إن كانوا يعتقدونه فمتى أظهروا مثل ذلك فقد آذوا الله و رسوله و المؤمنين بذلك و خالفوا العهد فينتقض العهد بذلك كسب النبي صلى الله عليه و سلم و قد تقدم عن عمر رضي الله عنه أنه قال للنصراني الذي كذب بالقدر: لئن عدت إلى مثل ذلك لأضربن عنقك و قد تقدم ما تقرر ذلك

والمنصوص عن مالك أن من شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفروا به قتل و لم يستتب قال ابن القاسم: [ إلا أن يسلم تطوعا ] فلم يجعل ما يتدين به الذمي سبا و هذا قول عامة المالكية و هو مذهب الشافعي ذكره أصحابه و هو منصوصه قال في [ الأم ] في تحديد الإمام ما يخذه من أهل الذمة: [ و على أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا بما هو أهله و لا يطعنوا في دين الإسلام و لا يعيبوا من حكمه شيئا فإن فعلوه فلا ذمة لهم و يأخذ عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم و قولهم في عزير و عيسى فإن وجدوهم فعلوا بعد التقدم في عزير و عيسى إليهم عاقبهم على ذلك عقوبة لا يبلغ بها حدا لأنهم قد أذن بإقرارهم على دينهم مع علم ما يقولون ]

و هذا ظاهر كلام الإمام أحمد لأنه سئل عن يهودي مر بؤذون فقال له: [ كذبت ] فقال: [ يقتل لأنه شتم ] فعلل قتله بأنه شتم فعلم أن ما يظهره من دينه الذي ليس بشتم ليس كذلك قال رضي الله عنه: [ من ذكر شيئا يعرض بذكر الرب تعالى فعليه القتل مسلما كان أو كافرا و هذا مذهب أهل المدينة ] و إنما مذهب أهل المدينة فيما هو سب عند القائل و ذلك أن هذا القسم ليس من باب السب و الشتم الذي يلحق بسب الله و سب النبي عليه الصلاة و السلام لأن الكافر لا يقول هذا طعنا و لا عيبا و إنما يعتقده تعظيما و إجلالا و ليس هو و لا أحد من الخلق يتدين بسب الله تعالى بخلاف ما يقال في حق النبي صلى الله عليه و سلم من السوء فإنه لا يقال إلا طعنا و عيبا و ذلك أن الكافر يتدين بكثير من تعظيم الله و ليس يتدين بشيء من تعظيم الرسول

ألا ترى أنه قال: [ محمد عليه الصلاة و السلام ساحر أو شاعر ] فهو يقول: إن هذا نقض و عيب و إذا قال: [ إن المسيح أو عزيرا ابن الله ] فليس يقول: إن هذا عيب و نقض و إن كان هذا عيبا و نقضا في الحقيقة

و فرق بين قول يقصد به قائله العيب و النقض و قول لا يقصد به ذلك و لا يجوز أن يجعل قولهم في الله كقولهم في الرسول بحيث يجعل الجميع نقضا للعهد إذ يفرق في الجميع ما يعتقدونه و بين ما لا يعتقدونه لأن قولهم في الرسول كله طعن في الدين و غضاضة على الإسلام و إظهار لعداوة المسلمين يقصدون به عيب الرسول و نقضه و ليس مجرد قولهم الذي يعتقدونه في الله مما يقصدون به عيب و نقصه

ألا ترى ان قريشا كانت تقار النبي عليه الصلاة و السلام على ما كان يقوله من التوحيد و عبادة الله وحده و لا يقارونه على عيب آلهتهم و الطعن في دينهم و ذم آبائهم و قد نهى الله المسلمين أن يسبوا الأوثان لئلا يسب المشركون الله مع كونهم لم يزالوا على الشرك فعلم أن محذور سب الله أغلظ من محذور الكفر به فلا يجعل حكمها واحدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت