فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 322

الطريقة الخامسة عشرة: أقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و أفعالهم

فمن ذلك: أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أبي ربيعة في المرأة التي غنت بهجاء النبي صلى الله عليه و سلم [ لو لا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر ] فأخبره أبو بكر أنه لولا الفوت لأمره بقتلها من غير استتابة و لا استيناء حال توبة مع أن غالب من تقدم ليقتل على مثل هذا يبادر إلى التوبة أو الإسلام إذا علم أنه يدرأعنه القتل و لم يستفصله الصديق عن السابة: هل هي مسلمة أو ذمية ؟ بل ذكر أن القتل حد من سب الأنبياء و أن حدهم ليس كحد غيرهم مع أنه فصل في المرأة التي غنت بهجاء المسلمين بين أن تكون مسلمة أو ذمية

و هذا ظاهر في أن عقوبة الساب حد للنبي واجب عليه له أن يعفو عنها في بعض الأحوال و أن يستوفيها في بعض الأحوال كما أن عقوبة ساب غيره حد له واجب على الساب

و قوله: [ فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد ] ليس فيه دلالة على قبول توبته لأن الردة جنس تحتها أنواع: منها ما تقبل فيه التوبة و منها ما لا تقبل كما تقدم التنبيه على هذا و لعله أن تكون لنا إليه عودة و إنما غرضه أن يبين الأصل الذي يبيح دم هذا و كذلك قوله: [ فهو محارب غادر ] فإن المحارب الغادر جنس يباح دمه ثم منهم من يقتل و إن أسلم كما لو حارب بقطع الطريق أو باستكراه مسلمة على الزنا و نحو ذلك

قال تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض كفسادا أن يقتلوا أو يصلبوا } الأية [ المائدة: 33 ] ثم إنه لم يرفع العقوبة إلا إذا تابوا قبل القدرة عليهم و قد قدمنا أن هذا محارب مفسد فيدخل في هذه الآية

و عن مجاهد قال: أتي عمر برجل يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقتله ثم قال عمر: [ من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه ]

هذا مع أن سيرته في المرتد أنه يستتاب ثلاثا و يطعم كل يوم رغيفا لعله يتوب فإذا أمر بقتل هذا من غير استتابة علم أن جرمه اغلظ عنده من جرم المرتد المجرد فيكون جرم سابه من أهل العهد أغلظ من جرم من اقتصر على نقض العهد لا سيما و قد أمر بقتله مطلقا من غير ثنيا

و كذلك المرأة التي سبت النبي صلى الله عليه و سلم فقتلها خالد بن الوليد و لم يستتبها دليل على أنها ليست كالمرتدة المجردة

و كذلك حديث محمد بن مسلمة لما حلف ليقتلن ابن يامين لما ذكر أن قتل ابن الأشرف كان غدرا و طلبه لقتله بعد ذلك مدة طويلة و لم ينكر المسلمون ذلك عليه مع أنه لو قتله لمجرد الردة لكان قد عاد إلى الإسلام بما أتى به بعد ذلك من الشهادتين و الصلوات و لم يقتل حتى يستتاب

و كذلك قول ابن عباس في الذمي يرمي أمهات المؤمنين [ إنه لا توبة له ] نص في هذا المعنى و هذه القضايا قد اشتهرت و لم يبلغنا أن أحدا أنكر شيئا من ذلك ـ كما أنكر عمر رضي الله عنه قتل المرتد الذي لم يستتب و كما أنكر ابن عباس رضي الله عنهما تحريق الزنادقة و أخبر أن حدهم القتل ـ فعلم أنه كان مستفيضا بينهم أن حد الساب أن يقتل إلا ما روي عن ابن عباس: [ من سب نبيا من الأنبياء فقد كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم و هي ردة يستتاب فإن تاب و إلا قتل ]

و هذا في سب يتضمن جحد نبوة نبي من الأنبياء فإنه يتضمن تكذيب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا ريب أن من قال عن بعض الأنبياء إنه ليس بنبي و سبه بناء على أنه ليس بنبي فهذه ردة محضة و يتعين حمل حديث ابن عباس على هذا أو نحوه إن كان محفوظا عنه لأنه أخبر أن قاذف أمهات المؤمنين لا توبة له فكيف تكون حرمتهن لأجل سب رسول الله صلى الله عليه و سلم أعظم من حرمة نبي معروف مذكور في القرآن ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت