و يدل على جواز قتل الزنديق و المنافق من غير استتابة قوله تعالى: { و منهم من يقول ائذن لي و لا تفتني ـ إلى قوله ـ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين و نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } [ التوبة: 49 ـ 52 ]
قال أهل التفسير: أو بأيدينا بالقتل: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم و هو كما قالوا لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا القتل لكفرهم و لو كان المنافق يجب قبول ما يظهر من التوبة بعد ما ظهر نفاقه و زندقته لم يمكن أن يتربص بهم أن يصيبهم الله تعالى بعذاب من عنده أو بأيدينا لأنا كلما أردنا أن نعذبهم على ما أظهروه أظهروا التوبة
و قال قتادة و غيره: قوله: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون ـ إلى قوله سنعذبهم مرتين } [ التوبة: 101 ] قالوا: في الدنيا القتل و في البرزخ عذاب القبر
و مما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم و الله و رسوله أحق أن يرضوه } [ التوبة: 62 ] و قوله سبحانه: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ـ إلى قوله ـ يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } [ التوبة: 96 ] و كذلك قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم } [ التوبة: 74 ] و قوله سبحانه: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله و الله يعلم إنك لرسوله و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون } [ المنافقون: 2 ] و قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم و يحلفون على الكذب و هم يعلمون ـ إلى قوله تعالى ـ اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين ـ إلى قوله تعالى ـ يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } [ المجادلة: 14 ـ 18 ]
دلت هذه الآيات كلها على أن المنافقين كانوا يرضون المؤمنين بالإيمان الكاذبة و ينكرون أنهم كفروا و يحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر
و ذلك دليل على أنهم يقتلون إذا ثبت ذلك عليهم بالبينة لوجوه:
أحدها: أنهم لو كانوا إذا أظهروا التوبة قبل ذلك منهم لم يحتاجوا إلى الحلف و الإنكار و لكانوا يقولون: قلنا و قد تبنا فعلم أنهم كانوا يخافون إذا ظهر ذلك عليهم أنهم يعاقبون من غير استتابة
الثاني: أنه قال تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة } [ المنافقون: 2 ] و اليمين إنما تكون جنة إذا لم نأت ببينة عادلة تكذبها فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة فجاز قتلهم ولا يمكنه أن يجتن بعد ذلك إلا بجنة من جنس الأولى و تلك جنة مخروقة
الثالث: أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دماءهم الكذب و الإنكار و معلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم بينة بخلافه و لذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه و سلم و يدل على ذلك قوله سبحانه: { يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم و مأواهم جهنم و بئس المصير يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر } الآية [ التوبة: 74 ] و قوله تعالى في موضع آخر: { جاهد الكفار و المنافقين } [ التحريم: 3 ] قال الحسن و قتادة: بإقامة الحدود عليهم و قال ابن مسعود: [ بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ] و عن ابن عباس و ابن جريح: [ باللسان و تغليظ الكلام و ترك الرفق ]
و وجه الدليل أن الله أمر رسول الله عليه الصلاة و السلام بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين و أن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة فإنه ما لم يظهر منه شيء البتة لم يكن لنا سبيل عليه فإذا ظهر منه كلمة الكفر فجهاده القتل و ذلك يقتضي أن لا يسقط عنه بتجديد الإسلام له ظاهرا لأنا لو أسقطنا عنهم القتل بما أظهره من الإسلام لكانوا بمنزلة الكفار و كان جهادهم من حيث هم كفار فقط لا من حيث هم منافقون و الآية جهادهم لأنهم صنف غير الكفار لا سيما قوله تعالى: { جاهد الكفار و المنافقين } [ التوبة: 73 ] و يقتضي جهادهم من حيث هم منافقون لأن تعليق الحكم باسم مشتق مناسب يدل على أن موضع الاشتقاق هو العلة فيجب أن يجاهد لأجل النفاق كما يجاهد الكافر لأجل الكفر و معلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركا له في الظاهر و لا يعلم ما يخالفه
أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركا للنفاق لأن ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق و لأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض و هو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا أظهر التوبة بعد أخذه لإقامة الحد عليه كما قد عرف و لأنه لو قبلت علانيتهم دائما مع ثبوت ضدها لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده
و يدل على ذلك قوله: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورنك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل } [ الأحزاب: 62 ]
دلت هذه الآية على المنافقين إذا لم ينتهوا فإن الله يغري نبيه بهم و أنهم لا يجاورنه بعد الإغراء بهم إلا قليلا و أن ذلك في حال كونهم ملعونين أينما وجدوا و أصيبوا أسروا و قتلوا و إنما يكون ذلك إذا أظهروا النفاق لأنه ما دام مكتوما لا يمكن قتلهم
و كذلك قال الحسن: [ أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه و أسروه ] و قال قتادة: [ ذكرنا لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموا ] و لو كان إظهار التوبة بعد اظهار النفاق مقبولا لم يكن أخذ المنافق و لا قتله لتمكنه من إظهار التوبة لا سيما إذا كان كلما شاء أظهر النفاق ثم أظهر التوبة و هي مقبولة منه
يؤيد ذلك أن الله تبارك و تعالى جعل جزائهم أن يقتلوا و لم يجعل جزاءهم أن يقاتلوا و لم يستثن حال التوبة كما استثناه من قتل المحاربين و قتل المشركين فإنه قال: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث و وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة: 5 ] و قال في المحاربين: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ـ إلى قوله تعالى ـ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } [ المائدة: 33 ] فعلم أنهم يقتلون من غير استتابة و أنه لا يقبل منهم ما يظهرونه من التوبة
و يوضح ذلك انه جعل انتهائهم النافع قبل الإغراء بهم و قبل الأخذ و التقتيل و هناك جعل التوبة بعد ذكر الحصر و الأخذ و القتل فعلم أن الانتهاء بعد الإغراء بهم لا ينفعهم كما لا تنفع المحارب التوبة بعد القدرة عليه و إن نفعت المشرك من مرتد وأصلي التوبة بعد القدرة عليه و قد أخبر سبحانه أن سنته فيمن لم يتب عن النفاق حتى قدر عليه أن يؤخذ و يقتل و أن هذه السنة لا تبديل لها و الانتهاء في الآية إما أن يعني به الانتهاء عن النفاق بالتوبة الصحيحة أو الانتهاء عن إظهاره عند شياطينه و عند بعض المؤمنين
و المعنى الثاني أظهر فإن من المنافقين من لم ينته عن إسرار النفاق حتى مات النبي صلى الله عليه و سلم و انتهوا عن إظهاره حتى كان في آخر الأمر لا يكاد أحمد يجترئ على إظهار شيء من النفاق نعم الانتهاء يعم القسمين فمن انتهى عن إظهاره فقط أو عن إسراره و إعلانه خرج من وعيد هذه الآية و من أظهر لحقه وعيدها
و مما يشبه ذلك قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر ـ إلى قوله تعالى ـ فإن يتوبوا يك خيرا لهم و إن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما قي الدنيا و الآخرة } [ التوبة: 74 ] فإنه دليل على أن المنافق إذا لم يتب عذبه الله في الدنيا و الأخرة و كذلك قوله تعالى: { و ممن حولكم من الأعراب منافقون ـ إلى قوله ـ سنعذبهم مرتين } [ التوبة: 101 ]
و أما قوله: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض و المرجفون في المدينة } [ الأحزاب: 60 ] فقد قال أبو رزين: [ هذا شيء واحد هم المنافقون ] و كذلك قال مجاهد: [ كل هؤلاء منافقون ] فيكون من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: { و جبريل و ميكال } [ البقرة: 98 ] و قال سلمة بن كهيل و عكرمة: [ الذين في قلوبهم مرض أصحاب الفواحش و الزناة ] و معلوم أن من أظهر الفاحشة لم يكن بد من إقامة الحد عليه فكذلك من أظهر النفاق