الوجه الثالث: أن الردة قد تتجرد عن السب و الشتم فلا تتضمنه و لا تستلزمه كما تتجرد عن قتل المسلمين و أخذ أموالهم إذ السب و الشتم إفراط في العداوة و إبلاغ في المحادة مصدره شدة سفه الكافر و حرصه على فساد الدين و إضرار أهله و لربما صدر عمن يعتقد النبوة و الرسالة لكن لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من التوقير و الانقياد فصار بمنزلة إبليس حيث اعتقد ربوبية الله سبحانه بقوله قوله سبحانه [ رب ] و قد أيقن أن الله أمره بالسجود ثم لم يأت بموجب هذا الاعتقاد من الاستلام و الانقياد بل استكبر و عاند معاندة معارض طاعن في حكمة الآمر
و لا فرق بين من يعتقد أن الله ربه و أن الله أمره بهذا الأمر ثم يقول: إنه لا يطيعه لأن أمره ليس بصواب و لا سداد و بين من يعتقد أن محمدا رسول الله و أنه صادق واجب الاتباع في خبره و أمره ثم يسبه أو يعيب آمره أو شيئا من أحواله أو تنقصه انتقاصا لا يجوز أن يستحقه الرسول و ذلك أن الإيمان قول و عمل فمن اعتقد الوحدانية في الألوهية لله سبحانه و تعالى و الرسالة لعبده و رسوله ثم لم يتبع هذا الاعتقاد موجبة من الإجلال و الإكرام ـ الذي هو حال في القلب يظهر أثره على الجوارح بل قارنه الاستخفاف و التسفيه و الازدراء بالقول أو بالفعل ـ كان وجود ذلك الاعتقاد كعدمه و كان ذلك موجبا لفساد ذلك الاعتقاد و مزيلا لما فيه من المنفعة و الصلاح إذ الاعتقادات الإيمانية تزكي النفوس و تصلحها فمتى لم توجب زكاة النفس و لا صلاحها فما ذاك إلا لأنها لم ترسخ في القلب و لم تصر صفة و نعتا للنفس و لا صلاحا و إذا لم يكن علم الإيمان المفروض صفة لقلب الإنسان لازمة له لم ينفعه فإنه يكون بمنزلة حديث النفس و خواطر القلب و النجاة لا تحصل إلا بيقين في القلب و لو أنه مثقال ذرة
هذا فيما بينه و بين الله و أما في الظاهر فيجري الأحكام على ما يظهره من القول و الفعل
و الغرض بهذا التنبيه على أن الاستهزاء بالقلب و الانتقاص ينافي الإيمان الذي في القلب منافاة الضد ضده و الاستهزاء باللسان ينافي الإيمان الظاهر باللسان كذلك
و الغرض بهذا التنبيه على أن السب الصادر عن القلب يوجب الكفر ظاهرا و باطنا
هذا مذهب الفقهاء و غيرهم من أهل السنة و الجماعة خلاف ما يقوله بعض الجهمية و المرجئة القائلين بأن الإيمان هو المعرفة و القول بلا عمل من أعمال القلب مع أنه إنما ينافيه في الظاهر و قد يجامعه في الباطن و ربما يكون لنا إن شاء الله تعالى عودة إلى هذا الموضع
و الغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب كذلك قد تتجرد عن قصد تبديل الدين و إرادة التكذيب بالرسالة كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية و إن كان عدم هذا القصد لا ينفعه كما لا ينفع من قال: الكفر أن لا يقصد أن يكفر
و إذا كذلك فالشارع إذا أمر بقبول توبة من قصد تبديل دينه الحق و غير اعتقاده و قوله فإنما ذاك لأن المقتضي للقتل الاعتقاد الطارئ و إعدام الاعتقاد الأول فإذا عاد ذلك الاعتقاد الإيماني و زال هذا الطارئ كان بمنزلة الماء و العصير: يتنجس بتغيره ثم يزول لتغير فيعود حلالا لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها و هذا الرجل لم يظهر مجرد تغير الاعتقاد حتى يعود معصوما بعوده إليه و ليس هذا القول من لوازم تغير الاعتقاد حتى يكون حكمه كحكمه إذ قد يتغير الاعتقاد كثيرا و لا يكون به أذى لله و رسوله