فوجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان قد صالح قريشا و هادنهم عام الحديبية عشر سنين و دخلت خزاعة في عقده و كان أكثرهم مسلمين و كانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه و سلم مسلمهم و كافرهم و دخلت بنو بكر في عهد قريش فصار هؤلاء كلهم معاهدين و هذا مما تواتر به النقل و لم يختلف فيه أهل العلم
ثم إن هذا الرجل المعاهد هجا النبي صلى الله عليه و سلم على ما قيل عنه فشجه بعض خزاعة ثم أخبروا النبي صلى الله عليه و سلم أنه هجاه يقصدون بذلك إغراءه ببني بكر فندر رسول الله صلى الله عليه و سلم دمه أي أهدره و لم يندر دم غيره فلولا أنهم علموا أن هجاء النبي صلى الله عليه و سلم من المعاهد مما يوجب الانتقام منه لم يفعلوا ذلك
ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم نذر دمه لذلك مع أن هجاءه كان حال العهد و هذا نص في أن المعاهد الهاجي يباح دمه
ثم إنه لما قدم أسلم في شعره و لهذا عدوه من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و قوله [ تعلم رسول الله ] [ و نبي رسول الله ] دليل على أنه أسلم قبل ذلك أو هذا وحده إسلام منه فإن الوثني إذا قال: [ محمد رسول الله ] حكم بإسلامه و مع هذا فقد أنكر أن يكون هجا النبي صلى الله عليه و سلم و رد شهادة أولئك بأنهم أعداء له لما بين القبيلتين من الدماء و الحرب فلو لم يكن ما فعله مبيحا لدمه لما احتاج إلى شيء من ذلك
ثم إنه ـ بعد إسلامه و اعتذاره و تكذيب المخبرين و مدحه لرسول الله صلى الله عليه و سلم ـ إنما طلب العفو من النبي صلى الله عليه و سلم عن إهدار دمه و العفو إنما يكون مع جواز العقوبة على الذنب فعلم أن النبي صلى الله عليه و سلم كان له أن يعاقبه بعد مجيئه مسلما معتذرا و إنما عفا عنه حلما كرما
ثم إن في الحديث أن نوفل بن معاوية هو الذي شفع له إلى النبي صلى الله عليه و سلم و قد ذكر عامة أهل السير أن نوفلا هذا هو رأس البكريين الذين عدوا على خزاعة و قتلوهم و أعانتهم قريش على ذلك و بسبب ذلك انتقض عهد قريش و بني بكر ثم إنه أسلم قبل الفتح حتى صار يشفع في الذي هجا النبي صلى الله عليه و سلم فعلم أن الهجاء أغلظ من نقض العهد بالقتال بحيث إذا نقض قوم العهد بالقتال و آخر هجا ثم أسلما عصم دم الذي قاتل و جاز الانتقام من الهاجي و لهذا قرن هذا الرجل خرق العرض بسفك الدم فعلم أن كليهما موجب للقتل و أن خرق عرضه كان أعظم عندهم من سفك دماء المسلمين و المعاهدين
و مما يوضح هذا أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يهدر دم أحد من بني بكر الناقضين للعهد بعينه و إنما مكن منهم بني خزاعة يوم الفتح أكثر النهار و أهدر دم هذا بعينه حتى أسلم و اعتذر هذا مع أن العهد كان عهد هدنة و موادعة و لم يكن عهد جزية و ذمة و المهادن المقيم ببلده يظهر ببلده ما شاء من منكرات الأقوال و الأفعال المتعلقة بدينه و دنياه و لا ينتقض بذلك عهده حتى يحارب فعلم أن الهجاء من جنس الحرب و أغلظ منه و أن الهاجي لا ذمة له