فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 322

أحدهما: أن النصراني و ابن أبي سرح افتريا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك كله و أنه لم يصدر منه قول فيه إقرار على كتابه غير ما قاله أصلا و إنما لما زين لهما الشيطان الردة افتريا عليه لينفرا عنه الناس و يكون قبول ذلك منهما متوجها لأنهما فارقاه بعد خبرة و ذلك أنه لم يخبر أحد أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول له: هذا الذي قتله ـ أو كتبته ـ صواب و إنما هو حال الردة أخبر أنه قال له ذلك و هو إذ ذاك كافر عدو يفتري على الله ما هو أعظم من ذلك

يبين ذلك أن الذي في الصحيح أن النصراني يقول: [ ما يدري محمد إلا ما كتبت له ] نعم ربما كان هو يكتب غير ما يقوله النبي صلى الله عليه و سلم و يغيره و يزيده و ينقصه فظن أن عمدة النبي صلى الله عليه و سلم على كتابه مع ما فيه من التبديل و لم يدر أن كتاب الله آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم و أنه لا يغسله الماء و أن الله حافظ له و أن الله يقرئ نبيه فلا ينسى إلا ما شاء الله مما يريد رفعه و نسخ تلاوته و أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن كل عام و أن النبي صلى الله عليه و سلم إذا نزل عليه آية اقرأها لعدد من المسلمين يتواتر نقل الآية بهم و أكثر من نقل هذه القصة من المفسرين ذكر أنه كان يملي عليه [ سميعا عليما ] فيكتب هو [ عليما حكيما ] و إذا قال: [ عليما حكيما ] كتب [ غفورا رحيما ] و أشباه ذلك و لم يذكر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له شيئا

قالوا: و إذا كان الرجل قد علم أنه من أهل الفرية و الكذب حتى أظهر الله على كذبه آية بينة و الروايات الصحيحة المشهورة لم تتضمن إلا أنه قال عن النبي صلى الله عليه و سلم ما قال أو أنه كتب ما شاء فقد علم أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقل له شيئا

قالوا: و ما روى في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه و سلم قال فهو منقطع أو معلل و لعل قائله قاله بناء على أن الكاتب هو الذي قال ذلك و مثل هذا يلتبس الأمر فيه حتى اشتبه ما قاله النبي صلى الله عليه و سلم و ما قيل إنه قال رد على هذا القول فلا سؤال

القول الثاني: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له شيئا فروى الإمام أحمد و غيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا أملى عليه [ سميعاعليما ] يقول: كتبت [ سميعا بصيرا ] قال: دعه و إذا أملى عليه [ عليما حكيما ] كتب [ عليما حكيما ] قال حماد نحو ذا قال: و كان قد قرأ البقرة و آل عمران و كان من قرأهما فقد قرأ قرأنا كثيرا فذهب فتنصر و قال: لقد كنت أكتب لمحمد ما شئت فيقول: [ دعه ] فمات فدفن فنبذنه الأرض مرتين أو ثلاثا قال أبو طلحة: فلقد رأيته فوق الأرض رواه الأمام أحمد

وحدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم وقد قرأ البقرة و لآل عمران و كان الرجل إذا قرأ البقرة و آل عمران جد فينا يعني عظم فكان النبي صلى الله عليه و سلم يملي عليه [ غفورا رحيما ] فيكتب [ عليما حكيما ] فيقول له النبي صلى الله عليه و سلم

: أكتب كذا و كذا اكتب كيف شئت و يملي عليه [ عليما حكيما ] فيكتب [ سميعا بصيرا ] فيقول: اكتب كيف شئت فأرتد ذلك الرجل عن الإسلام فلحق بالمشركين و قال: أنا أعلمكم بمحمد إن كنت لأكتب كيف شئت فمات ذلك الرجل فقال رسول صلى الله عليه و سلم [ إن الأرض لم تقبله ] قال أنس: فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرجل فوجده منبوذا قال أبو طلحة: ما شأن هذا الرجل ؟ قالوا: [ قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض ] فهذا إسناد صحيح

وقد قال من ذهب إلى القول الأول: أعل البزار حديث ثابت عن انس قال: رواه عنه و لم يتابع عليه و رواه حميد عن أنس و أظن حميدا إنما سمعه من ثابت قالوا: ثم أن أنسا لم يذكر أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم أو شهده يقول ذلك و لعله حكى ما سمع

و في هذا الكلام تكلف ظاهر و الذي ذكرناه في حديث أبن إسحاق و الواقدي و غيرهما موافق لظاهر هذه الرواية و كذلك ذكر طائفة من أهل التفسير و قد جاءت آثار فيها بيان صفة الحال على هذا القول ففي حديث ابن إسحاق و ذلك أن الرسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول: [ عليم حكيم ] فيقول: [ أو أكتب عزيز حكيم ] فيقول له رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ تعم كلاهما سواء ] و في الرواية الأخرى: و ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يملي عليه فيقول [ عزيز حكيم أو حكيم عليم ] فكان يكتبها على أحد الحرفين فيقول: [ كل صواب ]

ففي هذا بيان لأن كلا الحرفين كان قد نزل و أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأهما و يقول له: [ أكتب كيف شئت من هذين الحرفين فكل صواب ] و قد جاء مصرحا عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال: [ أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف إن قلت عزيز حكيم أو غفور رحيم فهو كذلك ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ] و في حرف جماعة من الصحابة { إن تعذبهم فإنهم عبادك و إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم } و الأحاديث في ذلك منتشرة تدل على أن من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن أن يختم الآية الواحدة بعدة أسماء من أسماء الله على سبيل البدل يخير القاريء في القراءة بأنها شاء و كان النبي صلى الله عليه و سلم يخيره أن يكتب ما شاء من تلك الحروف وربما قرأها النبي صلى الله عليه و سلم بحرف من الحروف فيقول له: [ أو أكتب كذا و كذا ] لكثرة ما سمع النبي صلى الله عليه و سلم

يخير بين الحرفين فيقول له النبي صلى الله عليه و سلم: [ كلاهما سواء ] لأن الآية نزلت بالحرفين وربما كتب هو أحد الحرفين ثم قرأه على النبي صلى الله عليه و سلم فأقره عليه لأنه قد نزل كذلك أيضا و ختم الآي بمثل [ سميع عليم ] و [ عليم حليم ] و [ غفور رحيم ] أو بمثل [ سميع بصير ] أو [ عليم حليم ] أو [ حكيم حليم ] كثير في القرآن و كان نزول الآية على عدة من هذه الحروف أمرا معتادا ثم إن الله نسخ بعض تلك الحروف لما كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن في كل رمضان و كانت العرضة الأخيرة هي حرف زيد بن ثابت الذي يقرأ الناس به اليوم وهو الذي جمع عثمان و الصحابة رضي الله عنهم أجمعين عليه الناس و لهذا ذكر ابن عباس هذه القصة في الناسخ و المنسوخ و كذلك ذكرها الإمام أحمد في كتابه في [ الناسخ و المنسوخ ] لتضمنها نسخ بعض الحروف

وروى فيها وجه آخر رواه الإمام أحمد في [ الناسخ و المنسوخ ] : حدثنا مسكين بن بكير ثنا معان قال: و سمعت خلفا يقول: كان ابن أبي سرح كتب للنبي صلى الله عليه و سلم القرآن فكان ربما سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن خواتم الآي [ يعمون ] و [ يفعلون ] و نحو ذا فيقول له النبي صلى الله عليه و سلم: [ أكتب أي ذلك شئت ] قال: فيوقفه الله للصواب من ذلك فأتى أهل مكة مرتدا فقالوا: يا ابن أبي سرح كيف كنت تكتب لابن أبي كبشة القرآن ؟ قال: أكتبه كيف شئت قال: فأنزل الله في ذلك { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي و لم يوح إليه شيء } [ الأنعام: 93 ] الآية كلها

قال النبي صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة: [ من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما و جده و إن كان متعلقا بأستار الكعبة ]

ففي هذا الأثر أنه كان يسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن حرفين جائزين فيقول له: [ أكتب أي ذلك شئت ] فيوقفه الله للصواب فيكتب أحب الحرفين إلى الله و كان كلاها منزلا أو يكتب ما أنزله الله فقط إن لم يكن الآخر منزلا و كان هذا التخيير من النبي صلى الله علي و سلم إما توسعة إن كان الله قد أنزلهما أو ثقة بحفظ الله و علما منه بأنه لا يكتب إلا ما أنزل و ليس هذا ينكر في كتاب تولى الله حفظه و ضمن أنه لا يأته الباطل من بين يديه و لا من خلفه

و ذكر بعضهم وجها ثالثا وهو أنه ربما كان يسمع النبي صلى الله عليه و سلم بمكة الآية حتى لم يبق منها إلا كلمة أو كلمتان فيستدل بما قرأ منها على باقيها كما يفعله الفطن الذكي فيكتبه ثم يقرأه على النبي صلى الله عليه و سلم فيقول: [ كذلك أنزلت ] كما اتفق مثل ذلك لعمر في قوله: { فتبارك الله أحسن الخالقين } [ المؤمنون: 14 ]

وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثل هذا في هذه القصة و إن كان هذا الإسناد ليس بثقة قال: عن ابن أبي سرح أنه كان تكلم بالإسلام و كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض الأحايين فإذا أملى عليه [ عزيز حكيم ] كتب [ غفور رحيم ] فيقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ هذا أو ذاك سواء ] فلما نزلت: { و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } أملاها عليه فلما انتهى إلى قوله: { خلقا آخر } عجب عبد الله بن سعد فقال: تبارك الله أحسن الخالقين [ المؤمنون: 14 ] فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ كذا أنزلت علي فاكتبها ] فشك حينئذ و قال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلى كما أوحى إليه و لئن كان كاذبا لقد قلت كما قال فنزلت هذه الآية [ الأنعام: 93 ]

و مما ضعفت به هذه الرواية أن المشهور أن الذي تكلم بهذا عمر بن الخطاب

و من الناس من قال قولا آخر قال الذي ثبت في رواية أنس أنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه و سلم ما كتبه بعد ما كتبه فيملي عليه [ سميعا عليما ] فيقول: قد كتبت [ سميعا بصيرا ] فيقول: [ دعه ] أو [ أكتب كيف شئت ] و كذلك في حديث الواقدي أنه كان يقول: [ كذالك أنزل الله ] و يقره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت