أحدهما: في استتابة المسلم و قبول توبة من سب النبي صلى الله عليه و سلم و قد ذكرنا أن المشهور عن مالك و أحمد أنه لا يستتاب و لا تسقط القتل عنه توبته و هو قول الليث بن سعد و ذكر القاضي عياض أنه المشهور من قول السلف و جمهور العلماء و هو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي و حكى مالك و أحمد أنه تقبل توبته و هو قول الإمام أبي حنيفة و أصحابه و هو المشهور من مذهب الإمام الشافعي بناء على قبول توبة المرتد فنتكلم أولا في قبول توبته و الذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة و التابعين أنه تقبل توبة المرتد في الجملة و روى عن الحسن البصري: أنه يقتل و إن أسلم جعله كالزاني و السارق و ذكر عن أهل الظاهر نحو ذلك أن توبته تنفعه عند الله و لكن لا يدرأ القتل عنه و روي عن أحمد أن من ولد في الإسلام قتل و من كان مشركا فأسلم استتيب و كذلك روي عن عطاء و هو قول إسحاق بن راهوية و المشهور عن عطاء و أحمد الاستتابة مطلقا و هو الصواب
و وجه عدم قبول التوبة قوله صلى الله عليه و سلم: [ من بدل دينه فاقتلوه ] رواه البخاري و لم يستثن ما إذا تاب و قال صلى الله عليه و سلم [ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني و النفس بالنفس و التارك لدينه المفارق للجماعة ] متفق عليه فإذا كان القاتل و الزاني لا يسقط عنهما القتل بالتوبة فكذلك التارك لدينه المفارق للجماعة و عن حكيم بن معاوية عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال [ لا يقبل الله توبة عبد كفر بعد إسلامه ] رواه الإمام أحمد و لأنه لا يقتل لمجرد الكف و المحاربة لأنه لو كان كذلك لما قتل المترهب و الشيخ الكبير و الأعمى و المقعد و المرأة و نحوهم فلما قتل هؤلاء علم أن الردة حد من الحدود و الحدود لا تسقط بالتوبة
و الصواب ما عليه الجماعة لأن الله سبحانه و تعالى قال في كتابه: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا أن الرسول حق و جاءهم البينات و الله لا يهدي القوم الظالمين } إلى قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم } [ آل عمران: 86 ـ 89 ] فأخبر أنه غفور رحيم لمن تاب بعد الردة و ذلك يقتضي مغفرته له في الدنيا و الآخرة و من هذا حاله لم يعاقب بالقتل
يبين ذلك ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا علي بن عاصم عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار ارتد عن الإسلام و لحق بالمشركين فأنزل الله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا } إلى آخر الآية [ آل عمران: 86 ] فبعث بها قومه إليه فرجع تائبا فقبل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك منه و خلى عنه و رواه النسائي من حديث داود مثله
و قال الإمام أحمد: ثنا على عن خالد عن عكرمة بمعناه و قال: و الله ما كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم و الله أصدق الثلاثة فرجع تائبا فقبل النبي صلى الله عليه و سلم ذلك منه و خلى عنه
و قال: ثنا حجاج عن ابن جريج حديثا عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم و شهدوا أن الرسول حق } [ آل عمران: 86 ] في أبي عامر بن النعمان و وحوح بن الأسلت و الحارث ابن سويد بن الصامت في أثنى عشر رجلا رجعوا عن الإسلام و لحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة ؟ فنزلت { إلا الذين تابوا من بعد ذلك } [ آل عمران: 89 ] في الحارث بن سويد بن الصامت
و قال: ثنا عبد الرزاق أنا جعفر عن حميد عن مجاهد قال: جاء الحارث ابن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه و سلم ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه القرآن { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله غفور رحيم } [ آل عمران: 86 ] قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: و الله إنك ما علمت لصادق و إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصدق منك و إن الله لأصدق الثلاثة قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه
و كذلك ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في الحارث بن سويد و جماعة ارتدوا عن الإسلام و خرجوا من المدينة كهيئة البدء و لحقوا بمكة كفارا فأنزل الله فيهم هذه الآية فندم الحارث و أرسل إلى قومه: أن سلوا رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل لي توبة ؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم } [ آل عمران: 89 ] فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث: إنك و الله ما علمت لصدوق و إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصدق منك و إن الله عز و جل لأصدق الثلاثة فرجع الحارث إلى المدينة و أسلم و حسن إسلامه
فهذا رجل قد ارتد و لم يقتله النبي عليه الصلاة و السلام بعد عوده إلى الإسلام و لأن الله تعالى قال في إخباره عن المنافقين { أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } [ التوبة: 66 ] فدل على أن الكافر بعد إيمانه قد يعفى عنه و قد يعذب و إنما يعفى عنه إذا تاب فعلم أن توبته مقبولة
و ذكر أهل التفسير أنهم كانوا جماعة و أن الذي تاب منهم رجل واحد يقال له [ مخشى بن حمير ] و قال بعضهم: كان قد أنكر عليهم بعض ما سمع و لم يمالئهم عليه و جعل يسير مجانبا لهم فلما نزلت هذه الآيات برىء من نفاقه و قال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تفر عيني تقشعر منها الجلود و تجب منها القلوب اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك و ذكروا القصة
و في الاستدلال بهذا نظر و لأنه قال تعالى: { يا أيها النبي جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم ـ إلى قوله ـ يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و هموا بما لم ينالوا و ما نقموا إلا أن أغناهم الله و رسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم و إن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا و الآخرة و ما لهم في الأرض من ولي و لا نصير } [ التوبة: 74 ]
و ذلك دليل على قبول توبة من كفر بعد إسلامه و أنهم لا يعذبون في الدنيا و لا في الآخرة عذابا أليما: بمفهوم الشرط و من جهة التعليل و لسياق الكلام و القتل عذاب أليم فعلم أن من تاب منهم لم يعذب بالقتل و لأن الله سبحانه قال: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله و لهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة و أن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم و أولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا و صبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ النحل 106 ـ 110 ] فبين أن الذين هاجروا إلى دار الإسلام بعد أن فتنوا عن دينهم بالكفر بعد الإسلام و جاهدوا و صبروا فإن الله يغفر لهم و يرحمهم و من غفر له ذنبه مطلقا لم يعاقبه في الدنيا و لا في الآخرة
و قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة: خرج ناس من المسلمين ـ يعني من المهاجرين ـ فأدركهم المشركون ففتنوهم فاعطوهم الفتنة فنزلت فيهم { و من الناس من يقول: آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } الآية [ العنكبوت: 10 ] و نزل فيهم { من كفر بالله من بعد إيمانه } الآية [ النحل: 106 ] ثم إنهم خرجوا مرة أخرى فانقلبوا حتى أتوا المدينة فأنزل الله فيهم: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } إلى آخر الآية [ النحل 110 ] و لأنه سبحانه قال: { و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة } [ البقرة: 217 ] فعلم أن من لم يمت و هو كافر من المرتدين لا يكون خالدا في النار و ذلك دليل على قبول التوبة و صحة الإسلام فلا يكون تاركا لدينه فلا يقتل و لعموم قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } إلى قوله: { فإن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } [ التوبة: 5 ] فإن هذا الخطاب عام في قتال كل مشرك و تخلية سبيله إذا تاب من شركه و أقام الصلاة و آتى الزكاة سواء كان مشركا أصليا أو مشركا مرتدا
و أيضا فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرج كان قد ارتد على عهد النبي صلى الله عليه و سلم و لحق بمكة و افترى على الله و رسوله ثم إنه بعد ذلك بايعه النبي صلى الله عليه و سلم و حقن دمه و كذلك الحارث بن سويد و كذلك جماعة من أهل مكة أسلموا ثم ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام فحقنت دماؤهم و قصص هؤلاء و غيرهم مشهورة عند أهل العلم بالحديث و السيرة
و أيضا فالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما توفى ارتد أكثر العرب إلا أهل مكة و المدينة و الطائف و اتبع قوم من تنبأ لهم مثل مسيلمة و العنسي و طليحة الأسدي فقاتلهم الصديق و سائر الصحابة رضي الله عنهم حتى رجع أكثرهم إلى الإسلام فأقروهم على ذلك و لم يقتلوا واحدا ممن رجع إلى الإسلام و من رؤوس من كان قد ارتد و رجع طليحة الأسدي المتنبي و الأشعث بن قيس و خلق كثير لا يحصون و العلم بذلك ظاهر لا خفاء به على أحد و هذه الرواية عن الحسن فيها نظر فإن مثل هذا لا يخفى عليه و لعله أراد نوعا من الردة كظهور الزندقة و نحوها أو قال ذلك في المرتد الذي ولد مسلما و نحو ذلك مما قد شاع فيه الخلاف
و أما قوله صلى الله عليه و سلم: [ من بدل دينه فاقتلوه ] فنقول بموجبه فإنما يكون مبدلا إذا دام على ذلك و استمر عليه فأما إذا رجع إلى الدين الحق فليس بمبدل و كذلك إذا رجع إلى المسلمين فليس بتارك لدينه مفارق للجماعة بل هو متمسك بدينه ملازم للجماعة و هذا بخلاف القتل و الزنا فإنه فعل صدر عنه لا يمكن دوامه عليه بحيث إذا تركه يقال إنه ليس بزان و لا قاتل فمتى وجد منه ترتب حده عليه و إن عزم على أن لا يعود إليه لأن العزم على ترك العود لا يقطع مفسدة ما مضى من الفعل
على أن قوله: [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] قد يفسر بالمحارب قاطع الطريق كذلك رواه أبو داود في سننه مفسرا عن عائشة رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث:: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم و رجل خرج محاربا لله و رسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض أو يقتل نفسا فيقتل بها ] فهذا المستثنى هو المذكور في قوله [ التارك لدينه المفارق للجماعة ] و لهذا وصفه بفراق الجماعة و إنما يكون هذا بالمحاربة
و يؤيد ذلك أن الحديثين تضمنا أنه لا يحل دم من يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله و المرتد لم يدخل في هذا العموم فلا حاجة إلى استثنائه و على هذا فيكون ترك دينه عبارة عن خروجه عن موجب الدين و يفرق بين ترك الدين و تبديله أو يكون المراد به من ارتد و حارب كالعرنيين و مقيس ابن صبابة ممن ارتد و قتل و أخذ المال فإن هذا يقتل بكل حال إن تاب بعد القدرة عليه و لهذا و الله أعلم استثنى هؤلاء الثلاثة الذي يقتلون بكل حال و إن أظهروا التوبة بعد القدرة و لو كان أريد المرتد المجرد لما احتيج إلى قوله [ المفارق للجماعة ] فإن مجرد الخروج من الدين يوجب القتل و إن لم يفارق جماعة الناس فهذا وجه يحتمله الحديث و هو ـ و الله أعلم ـ مقصود هذا الحديث
و أما قوله [ لا يقبل الله توبة عبد أشرك بعد إسلامه ] فقد رواه ابن ماجة من هذا الوجه و لفظه [ لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد إسلامه عملا حتى يفارق المشركين إلى المسلمين ] و هذا دليل على قبول إسلامه إذا رجع إلى المسلمين و بيان أن معنى الحديث أن توبته لا تقبل ما دام مقيما بين ظهراني المشركين مكثرا لسوادهم كحال الذين قتلوا ببدر و معناه أن من أظهر الإسلام ثم فتن عن دينه حتى ارتد فإنه لا تقبل توبته و عمله حتى يهاجر إلى المسلمين و في مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } الآية [ النساء: 97 ] و أيضا فإن ترك الدين و تبديله و فراق الجماعة يدوم و يستمر لأنه تابع للاعتقاد و الاعتقاد دائم فمتى قطعه و تركه عاد كما كان و لم يبق لما مضى حكم أصلا و لا فيه فساد و لا يجوز أن يطلق عليه القول بأنه مبدل للدين و لا أنه تارك لدينه كما يطلق على الزاني و القاتل بأن هذا زان و قاتل فإن الكافر بعد إسلامه لا يجوز أن يسمى كافرا عند الإطلاق و لأن تبديل الدين و تركه في كونه موجبا للقتل بمنزلة الكفر الأصلي و الحراب في كونهما كذلك فإذا كان زوال الكفر بالإسلام أو زوال المحاربة بالعهد يقطع حكم الكفر فكذلك زوال تبديل الدين و تركه بالعود إلى الدين و أخذه يقطع حكم ذلك التبديل و الترك