فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 322

الطريقة الأولى: قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم إلا من تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } [ المائدة: 34 ]

فوجه الدلالة أن هذا الساب المذكور من المحاربين لله و رسوله الساعين في الأرض فسادا الداخلين في هذه الآية سواء كان مسلما أو معاهدا و كل من كان من المحاربين الداخلين في هذه الآية فإنه يقام عليه الحد إذا قدر عليه قبل التوبة سواء تاب بعد ذلك أو لم يتب فهذا الذمي أو المسلم إذا سب ثم أسلم بعد أن كل واحد قد قدر عليه قبل التوبة فيجب إقامة الحد عليه و حده القتل فيجب قتله سواء تاب أو لم يتب

و الدليل مبني على مقدمتين: إحداهما: أنه داخل في هذه الآية

و الثانية: أن ذلك يوجب قتله إذا أخذ قبل التوبة

أما المقدمة الثانية فظاهرة فإنا لم نعلم مخالفا في أن المحاربين إذا أخذوا قبل التوبة وجب إقامة الحد عليهم و إن تابوا بعد الأخذ و ذلك بين في الآية فإن الله أخبر أن جزاءهم أحد هذه الحدود الأربعة إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فالتائب قبل القدرة ليس جزاؤه شيئا من ذلك و غيره أحد هذه جزاؤه و جزاء أصحاب الحدود تجب إقامته على الآية لأن جزاء العقوبة إذا لم يكن حقا لآدمي حي ـ بل كان حدا من حدود الله ـ وجب استيفاؤه باتفاق المسلمين و قد قال تعالى في آية السرقة: { فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا } [ المائدة: 38 ] فأمر بالقطع جزاء على ما كسباه فلو لم يكن الجزاء المشروع المحدود من العقوبات واجبا لم يعلل وجوب القطع به إذ العلة المطلوبة يجب أن تكون أبلغ من الحكم و أقوى منه و الجزاء اسم للفعل و اسم لما يجازى به و لهذا قرىء قوله تعالى { فجزاء مثل ما قتل } [ المائدة: 95 ] بالتنوين و بالإضافة و كذلك الثواب و العقاب و غيرهما و القطع قد يسمى جزاء و نكالا و قد يقال فعل هذه ليجزيه و للجزاء

و لهذا قال الأكثرون: إنه نصب على المفعول له و المعنى أن الله أمر بالقطع ليجزيهم و لينكل عن فعلهم

و قد قيل: إنه نصب على المصدر لأن معنى [ اقطعوا ] اجزوهم و نكلوا

و قيل إنه على الحال أي فاقطعوهم مجزين منكلين هم و غيرهم أو جازين منكلين

و بكل حال فالجزاء مأمور به أو مأمور لأجله فثبت أنه واجب الحصول شرعا و قد أخبر أحد الحدود الأربعة فيجب تحصيلها إذ الجزاء هنا يتحد فيه معنى الفعل و معنى المجزي به لأن القتل و القطع و الصلب هي أفعال و هي عين ما يجزي به و ليست أجساما بمنزلة المثل من النعم

يبين ذلك أن لفظ الآية خبر عن أحكام الله سبحانه التي يؤمر الإمام بفعلها ليست عن الحكم الذي يخير فيه بين فعله و تركه إذ ليس لله أحكام في أهل الذنوب يخير الإمام بين فعلها و ترك جميعها

و أيضا فإنه قال: { ذلك لهم خزي في الدنيا } و الخزي لا يحصل إلا بإقامة الحدود لا بتعطيلها و أيضا لو كان هذا الجزاء إلى الإمام له إقامته و تركه بحسب المصلحة لندب إلى العفو كما في قوله تعالى: { و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين } [ النحل: 126 ] و قوله: { و الجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة } [ المائدة: 45 ] و قوله: { ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا } [ النساء: 92 ]

و أيضا فالأدلة على وجوب إقامة الحدود على السلطان من السنة و الإجماع ظاهرة و لم نعلم مخالفا في وجوب إجراء المحاربين ببعض ما ذكره الله في كتابه و إنما اختلفوا في هذه الحدود: هل يخير الإمام بينها بحسب المصلحة أو لكل جرم جزاء محدود شرعا ؟ كما هو المشهور فلا حاجة إلى الإطناب في وجوب الجزاء لكن نقول: جزاء الساب القتل عينا بما تقدم من الدلائل الكثيرة و لا يخير الإمام فيه بين القطع و الإنفاء و إذا كان جزاؤه القتل من هذه الحدود ـ و قد أخذ قبل التوبة ـ وجب إقامة الحد عليه إذا كان من المحاربين بلا تردد

فلنبين المقدمة الأولى و هي أن هذا من المحاربين لله و رسوله الساعين في الأرض فسادا و ذلك من وجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت