فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 322

و من ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: قصته في هجائه النبي صلى الله عليه و سلم و في إعراض النبي صلى الله عليه و سلم عنه لما جاءه مسلما مشهورة مستفيضة

و قد ذكر الواقدي قال: حدثني سعيد بن مسلم بن قماذين عن عبد الرحمن ابن سابط و غيره قال: كان أبو سفيان بن الحارث أخا رسول الله صلى الله عليه و سلم من الرضاعة أرضعته حليمة أياما و كان يألف رسول الله صلى الله عليه و سلم و كان له تربا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عاداه عداوة لم يعادها أحدا قط و لم يكن دخل الشعب و هجا رسول الله صلى الله عليه و سلم و هجا أصحابه و ذكر الحديث إلى أن قال: ثم إن الله ألقى في قلبه الإسلام قال أبو سفيان: فقلت: من أصحب ؟ و مع من أكون ؟ قد ضرب الإسلام بجرانه فجئت زوجتي و ولدي فقلت: تهيئوا للخروج فقد أقبل قدوم محمد قالوا: قد آن لك أن تنصر محمدا إن العرب و العجم قد تبعت محمدا و أنت توضع في عداوته و كنت أولى الناس بنصرته فقلت لغلامي مذكور: عجل بأبعرتي و فرسي قال: ثم سرنا حتى نزلنا بالأبواء و قد نزلت مقدمته الأبواء فتنكرت و خفت أن أقتل و كان قد أهدر دمي فخرجت واحد ابني جعفر على قدمي نحوا من ميل في الغداة التي صبح رسول الله صلى الله عليه و سلم الأبواء فأقبل الناس رسلا رسلا ـ أي قطيعا قطيعا ـ فتنحيت فرقا من أصحابه فلما طلع في موكبه تصديت له تلقاء وجهه فلما ملأ عينيه مني أعرض عني بوجهه إلى الناحية الأخرى فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى فأعرض عني مرارا فأخذني ما قرب و ما بعد و قلت: أنا مقتول قبل أن أصل إليه و أتذكر به و رحمه و قرابتي فيمسك ذلك مني و قد كنت لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه سيفرحون بإسلامي فرحا شديدا لقرابتي برسول الله صلى الله عليه و سلم فلما رأى المسلمون إعراض رسول الله صلى الله عليه و سلم عني أعرضوا عني جميعا فلقيني ابن أبي قحافة معرضا عني و نظرت إلى عمر يغري بي رجلا من الأنصار فألز بي رجل يقول: يا عدو الله أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم و تؤذي أصحابه ؟ قد بلغت مشارق الأرض و مغاربها في عداوته فرددت بعض الرد عن نفسي فاستطال علي و رفع صوته حتى جعلني في مثل الحرجة من الناس يسرون بما يفعل بي قال: فدخلت على عمي العباس فقلت: يا عباس قد كنت أرجو أن سيفرح رسول الله صلى الله عليه و سلم بإسلامي لقرابتي و شرفي و قد كان منه ما رأيت فكلمه ليرضى قال: لا و الله لا أكلمه كلمة فيك أبدا بعد الذي رأيت منه ما رأيت إلا أن أرى وجها إني أجل رسول الله صلى الله عليه و سلم و أهابه فقلت ياعم إلى من تكلني ؟ قال: هو ذاك فلقيت عليا فكلمته فقال لي مثل ذلك و ذكر الحديث إلى أن قال: فخرجت فجلست على منزل رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى راح إلى الجحفة و هو لا يكلمني و لا أحد من المسلمين و جعلت لا ينزل منزلا إلا أنا على بابه و معي ابني جعفر قائم فلا يراني إلا أعرض عني على هذا الحال حتى شهدت معه فتح مكة و أنا في خيله التي تلازمه حتى هبط من أذاخر حتى نزل الأبطح فنزل ألي نظرا هو الين من ذلك النظر قد رجوت أن يبتسم و دخل عليه نساء بني عبد المطلب و دخلت معهن زوجتي فرققته علي و خرج إلى المسجد و أنا بين يديه لا أفارقه على حال حتى خرج إلى هوازن فخرجت معه و ذكر قصته بهوازن و هي مشهورة

قال الواقدي: و قد سمعت في إسلام أبي سفيان بن الحارث بوجه آخر قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بنيق العقاب و ذكر الحديث نحوا مما ذكره ابن إسحاق

قال ابن إسحاق: [ و كان أبو سفيان بن الحارث: و عبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه و سلم بثنية فيما بين مكة و المدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك و ابن عمتك و صهرك فقال: لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال بمكة ما قال ] [ قال ] فلما خرج الخبر إليهما بذلك ـ و مع أبي سفيان بن الحارث ابن له ـ فقال: و الله ليأذنن لي رسول الله صلى الله عليه و سلم أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه و اعتذاره مما كان مضى منه فقال:

( لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد )

( لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى و أهتدي )

( هداني هاد نفسي و دلني ... على الله من طردت كل مطرد )

و ذكر باقي الأبيات

و في رواية الواقدي قال: فطلبا الدخول على رسول الله صلى الله عليه و سلم فأبى أن يدخلهما عليه فكلمته أم سلمة زوجته فقالت: يا رسول الله صهرك و ابن عمتك و ابن عمك و أخوك من الرضاعة و قد جاء الله بهما مسلمين لا يكونا أشقى الناس بك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ لا حاجة لي بهما أما أخوك فالقائل لي بمكة ما قال: لن يؤمن لي حتى أرقى في السماء فقالت يا رسول الله إنما هو من قومك و كل قريش قد تكلم و نزل القرآن فيه بعينه و قد عفوت عمن هو أعظم جرما منه و ابن عمك قرابتك به قريبة و أنت أحق الناس عفا عن جرمه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هو الذي هتك عرضي فلا حاجة لي بهما ] فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن الحارث و معه ابنه: ليقبلن مني أو لآخذن بيد ابني فلأذهبن في الأرض حتى أهلك عطشا و جوعا و أنت أحلم الناس و أكرم الناس مع رحمي بك فبلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم مقالته فرق له و قال عبد الله ابن أبي أمية: إنما جئت لأصدقك ولي من القرابة مثل مالي من الصهر بك و جعلت أم سلمة تكلمه فيهما فرق رسول الله صلى الله عليه و سلم لهما فأذن لهما و دخلا فأسلما و كانا جميعا حسنى الإسلام قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف و مات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر رضي الله عنه لم يغمص عليه في شيء و لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أهدر دمه قبل أن يلقاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت