فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 322

أحدها: أنا لم نجعل سب النبي عليه الصلاة و السلام و قذفه من حد القذف الذي لا يستوفى حتى يطلبه المستحق فإن ذاك إنما هو إذا علم به و إنما هو من باب السب و الشتم الذي يعلم أنه حرام باطل و قد تعذر علم المسبوب به كما لو رمى رجل بعض أعيان الأمة بالكفر أو كذب أو شهادة الزور أو سبه سبا صريحا فإنا لا نعلم مخالفا في أن هذا الرجل يعاقب على ذلك كما يعاقب على ما ينتهكه من المحارم انتصارا لذلك الرجل الكريم في الأمة و زجرا عن معصية الله كمن يسب الصحابة أو العلماء أو الصالحين

الوجه الثاني: أن سبه سب لجميع أمته و طعن في دينهم و هو سب تلحقهم به غضاضة و عار سب الجماعة الكثيرة بالزنا فإنه يعلم كذب فاعله و هذا يوقع في بعض النفوس ريبا و إذا كان آذى جميع المؤمنين أذى يوجب القتل وهو تجب عليهم المطالبة به من حيث وجب عليهم إقامة الدين فيكون شبيها بقذف الميت الذي فيه نسب الحي إذا طالب به و ذاك يعين إقامته

و بهذا يظهر الفرق بينه و بين غيره من الأموات على قول أبي بكر فإن ذلك الميت لا يتعدى ضرر قذفه في الأصل إلى غيره فإذا تعذرت مطالبته أمكن أن يقال: لا يستوفى حد قذفه و هنا ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة بفساد دينها و ذل عصمتها و إهانة مستمسكها و إلا فالرسول صلوات الله عليه و سلامه في نفسه لا يتضرر بذلك

و بهذا يظهر الفرق بينه و بين غيره في أحد قذف الغير إنما ثبت لورثته أو لبعضهم و ذلك لأن العار هناك إنما يلحق الميت أو ورثته و هنا العار يلحق جميع الأمة لا فرق في ذلك بين الهاشميين و غيرهم ن بل أي الأمة كان أقوى حبا لله و رسوله و أشد اتباعا له و تعزيرا و توقيرا كان حظه من هذا الأذى و الضرر أعظم و هذا ظاهر لا خفاء به و إذا كان هذا ثابتا لجميع الأمة فإنه مما يجب عليهم القيام به و لا يجوز لهم العفو عنه بوجه من الوجوه لأنه وجب لحق دنياهم بخلاف حد قذف قريبهم فإنه وجب لحظ نفوسهم و دنياهم فلهم أن يتركوه و هذا يتعلق بدينهم فالعفو عنه عفو عن حدود الله و عن انتهاك حرماته فظهر الجواب عن المتقدمتين المذكورتين

الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يورث فلا يصح أن يقال: إن حق عرضه يختص به أهل بيته دون غيرهم كما أن ماله لا يختص به أهل بيته دون غيرهم بل أولى لأن تعلق حق الأمة بعرضه أعظم من تعلق حقهم بماله و حينئذ فيجب المطالبة باستيفاء حقه على كل مسلم لأن ذلك من تعزيره و نصره و ذلك فرض على كل مسلم

و نظير ذلك أن يقتل مسلم أو معاهد نبيا من الأنبياء فإن قتل ذلك الرجل متعين على الأمة و لا يجوز أن يجعل حق دمه إلى من يكون وارثا له لو كان يورث: أن أحب قتل و إن أحب عفا على الدية أو مجانا و لا يجوز تقاعد الأمة عن قتل قاتله فإن ذلك أعظم من جميع أنواع الفساد و لا يجوز أن يسقط حق دمه بتوبة القاتل أو إسلامه فإن المسلم أو المعاهد لو ارتد أو نقض العهد و قتل مسلما لوجب عليه القود و لا يكون ما ضمنه إلى القتل من الردة و نقض العهد مخففا لعقوبته و ما أظن أحدا يخالف في مثل هذا مع أن مجرد قتل النبي ردة و نقض للعهد باتفاق العلماء و عرضه كدمه فإن عقوبته القتل كما أن عقوبة ممنوع من المسلم بإسلامه و من المعاهد بعهده فإذا انتهكا حرمته وجبت عليهما العقوبة لذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت