أحدها: أن يستقيم لنا فنستقيم له كما استقام فيكون مخلى سبيله لكن ليس أخا في الدين
الحالة الثانية: أن يتوب من الكفر و يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة فيصير أخا في الدين و لهذا لم يقل هنا فخلوا سبيلهم كما قال في الآية قبلها لأن الكلام هناك في توبة المحارب و توبته توجب تخليه سبيله و هنا الكلام في توبة المعاهد و قد كان سبيله مخلى و إنما توبته توجب أخوته في الدين قال سبحانه: { و نفصل الآيات لقوم يعلمون } [ التوبة: 11 ]
و ذلك أن المحارب إذا تاب وجب تخليه سبيله إذا حاجته إنما هي إلى ذلك و جاز أن يكون قد تاب خوف السيف فيكون مسلما لا مؤمنا فأخوته الإيمانية تتوقف على ظهور دلائل الإيمان كما قال تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا } [ الحجرات: 14 ] و المعاهد إذا تاب فلا ملجأ له إلا التوبة ظاهرا فإنا لم نكرهه على التوبة و لا يجوز إكراهه فتوبته دليل على أنه تاب طائعا فيكون مسلما مؤمنا و المؤمنون إخوة فيكون أخا
الحالة الثالثة: أن ينكث يمينه بعد عهده و يطعن في ديننا فأمره بقتاله و بين أنه ليس له أيمان و لا إيمان و المقصود من قتاله أن ينهى عن النقض و الطعن لا عن الكفر فقط لأنه قد كان معاهدا مع الكفر و لم يكن قتاله جائزا فعلم أن الانتهاء من مثل هذا عن الكفر ليس هو المقصود بقتاله و إنما المقصود بقتاله انتهاؤه عن ما أضر به المسلمين من نقض العهد و الطعن في الدين و ذلك لا يحصل إلا بقتل الواحد الممكن و قتال الطائفة الممتنعة قتالا يعذبون به و يخذون و ينصر المؤمنين عليهم إذ تخصيص التوبة بحال دليل على انتافائها في الحال الأخرى
و ذكره سبحانه التوبة بعد ذلك جملة مستقلة ـ بعد أن أمر بما يوجب تعذيبهم و خزيهم و شفاء الصدور منهم ـ دليل على أن توبة مثل هؤلاء لا بد معها من الانتقام منهم بما فعلوا بخلاف توبة الباقي على عهده فلو كان توبة المأخوذ بعد الأخذ تسقط القتل لكانت توبة خالية عن الانتقام و للزم أن مثل هؤلاء لا يعذبون و لا يخزون و لاتشفي الصدور منهم و هو خلاف ما أمر به في الآية و قد صار هؤلاء الذين نقضوا العهد و طعنوا في الدين كمن ارتد و سفك الدماء فإن كان واحدا فلا بد من قتله و إن عاد إلى الإسلام و إن كانوا ممتنعين قوتلوا فمن تاب بعد ذلك منهم لم يقتل و الله سبحانه أعلم
الطريقة الثالثة: قوله سبحانه: { و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن } [ النساء: 18 ] و قوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده و كفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } [ غافر: 85 ] و قوله تعالى: { حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل و أنا من المسلمين آلآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين ؟ } [ يونس: 91 ] قوله تعالى: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس } [ يونس: 98 ]
و قد تقدم تقرير الدلالة من هذه الآيات في قتل المنافق و ذكرنا الفرق بين توبة الحربي و المرتد المجرد و توبة المانفق و المفسد من المعاهدين و نحوهما و فرقنا بين التوبة التي تدرأ العذاب و التوبة التي تنفع في المآب
الطريقة الرابعة: قوله سبحانه: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة } الآيات [ الأحزاب: 57 ] و قد قررنا فيما مضى أن هذه الآية تدل على قتل المؤذي من المسلمين مطلقا و هي تدل على قتل من أظهر الأذى من أهل الذمة لأن اللعنة المذكورة موجبة للقتل كما في تمام الكلام و قد تقدم تقرير هذا و قد ذكرنا ان قوله تعالى: { أولئك لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء: 52 ] نزلت في ابن الأشرف لما طعن في دين الإسلام و قد كان عاهد النبي صلى الله عليه و سلم فانتقض عهده بذلك و أخبر الله أنه ليس له نصير ليبين أن لا ذمة له إذ الذمي له نصر و النفاق له قسمان: نفاق المسلم استبطان الكفر و نفاق الذمي استبطان المحاربة و تكلم المسلم بالكفر كتكلم الذمي بالمحاربة فمن عاهدنا على أن لا يؤذي الله و رسوله ثم نافق بأذى الله و رسوله فهو من منافقي المعاهدين فمن لم ينته من هؤلاء المنافقين أغرى الله نبيه بهم فلا يجاورونه إلا قليلا { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } ففي الآية دلالتان
إحداهما: أن هذا ملعون و الملعون هو الذي يؤخذ أين وجد و يقتل فعلم أن قتله حتم لأنه لم يستثن حالا من الأحوال كما استثنى في سائر الصور و لأنه قال: { قتلوا } و هذا وعد من الله لنبيه يتضمن نصره و الله لا يخلف الميعاد فعلم أنه لا بد من تقتيلهم إذا أخذوا و لو سقط عنهم القتل بإظهار الإسلام لم يتحقق الوعد مطلقا
الثانية: أنه جعل انتهاءهم النافع قبل الأخذ و التقتيل كما جعل توبة المحاربين النافعة لهم قبل القدرة عليهم فعلم أنهم إن انتهوا عن إظهار النفاق من الأذى و نحوه النفاق في العهد و النفاق في العهد و النفاق في الدين و إلا أغراه الله بهم حتى لا يجارونه في البلد ملعونين يؤخذون و يقتلون و هذا الطاعن الساب لم ينته حتى أخذ فيجب قتله
و فيها دلالة ثالثة و هو أن الذي يؤذي المؤمنين من مسلم أو معاهد إذا أخذ أقيم عليه حد ذلك الأذى و لم تدرأه عنه التوبة الآن فالذي يؤذي الله و رسوله بطريق الأولى لأن الآية تدل على أن حالة أقبح في الدنيا و الآخرة