و جواب الشبهة الأولى من وجوه:
أحدها: أن الإيمان و إن كان أصله تصديق القلب فذلك التصديق لابد أن يوجب حالا في القلب و عملا له و هو تعظيم الرسول و إجلاله و محبته و ذلك أمر لازم كالتألم و التنعم عند الإحساس بالمؤلم و المنعم و كالنفرة و الشهوة عند الشعور بالملائم و المنافي فإذا لم تحصل هذه الحال و العمل في القلب لم ينفع ذلك التصديق و لم يغن شيئا و إنما يمتنع حصوله إذا عارضه معارض من حسد الرسول و التكبير عليه أو الإهمال له و إعراض القلب عنه و نحو ذلك كما أن إدراك الملائم و المنافي يوجب اللذة و الألم إلا أن يعارضهم عارض و متى حصل المعارض كان وجود ذلك التصديق كعدمه كما يكون وجود ذلك كعدمه بل يكون ذلك المعارض موجبا لعدم المعلول الذي هو حال في القلب و بتوسط عدمه يزول التصديق الذي هو العلة فينقلع الإيمان بالكلية من القلب و هذا هو الموجب لكفر من حسد الأنبياء أو تكبر عليهم أو كره فراق الإلف و العادة مع علمه بأنهم صادقون و كفرهم أغلظ من كفر الجهال
الثاني: أن الإيمان و إن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق و إنما هو الإقرار و الطمأنينة و ذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر و كلام الله خبر و أمر فالخبر يستوجب تصديق المخبر و الأمر يستوجب الانقياد و الاستسلام و هو عمل في القلب جماعه الخضوع و الانقياد للأمر و إن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق و الأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب و هو الطمأنينة و الإقرار فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار و الطمأنينة و ذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق و الانقياد و إذا كان كذلك فالسب إهانة و استخفاف و الانقياد للأمر إكرام و إعزاز و محال أن يهين القلب من قد انقاد له و خضع و استسلم أو يستخف به
فإذا حصل في القلب استخفاف و استهانة امتنع أن يكون فيه انقياد أو استسلام فلا يكون فيه إيمان و هذا هو بعينه كفر إبليس فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا و لكن لم ينقد للأمر و لم يخضع له و استكبر عن الطاعة فصار كافرا و هذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف: تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق ثم يرون مثل إبليس و فرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب و كفره من أغلظ الكفر فيتحيرون و لو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعملوا أن الإيمان قول و عمل أعني في الأصل قولا في القلب و عملا في القلب
فإن الإيمان بحسب كلام الله و رسالته و كلام الله و رسالته يتضمن إخباره و أوامره فيصدق القلب إخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به و التصديق هو من نوع العلم و القول و ينقاد لأمره و يستسلم و هذا الإنقياد و الاستسلام هو من نوع الإرادة و العمل و لا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين و إن كان مصدقا للكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبا و جهلا و يكون استكبارا و ظلما و لهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر و الاستكبار دون التكذيب و لهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود و نحوهم من جنس كفر إبليس و كان كفر من يجهل مثل النصارى و نحوهم ضلالا و هو الجهل
ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه و سلم و سألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد أنك نبي و لم يتبعوه و كذلك هرقل و غيره فلم ينفعهم هذا العلم و هذا التصديق ؟
ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله و قد تضمنت خبرا و أمرا فإنه يحتاج إلى مقام ثان و هو تصديقه خبر الله و انقياده لأمر الله فإذا قال: [ أشهد أن لا إله إلا الله ] فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره و الانقياد لأمره [ و أشهد أن محمدا رسول الله ] تضمنت تصديق فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار
فلما كان التصديق لابد منه في كلتا الشهادتين ـ و هو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظن من ظن أن أصل لجميع الإيمان و غفل عن أن أصل الآخر لابد منه و هو الانقياد و إلا فقد يصدق الرسول ظاهرا و باطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه و تعالى كإبليس و هذا مما بين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره
فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذب له أو ممتنع عن الانقياد لربه و كلاهما كفر صريح و من استخلف به و استهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادا لأمره فإن الانقياد إجلال و إكرام و الاستخفاف إهانة و إذلال و هذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف و الاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد
الوجه الثالث: أن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرمه عليه و اعتقاد انقياد لله فيما حرمه و أوجبه فهذا ليس بكافر فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرمه لكن امتنع من قبول هذا التحريم و أبى أن يذعن لله و ينقاد فهو إما جاحد أو معاند و لهذا قالوا: من عصى الله مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق و من عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة و الجماعة و إنما يكفره الخوارج فإن العاصي المستكبر و إن كان مصدقا بأن الله ربه فإن معاندته له و محادته تنافي هذا التصديق
و بيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه و كذلك لو استحلها من غير فعل و الاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها و تارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها هذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية و لخلل في الإيمان بالرسالة و يكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة و تارة يعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم و يعاند المحرم فهذا أشد كفرا ممن قبله و قد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبة الله و عذبه
ثم إن هذا الامتناع و الإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر و قدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته و قد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا أو اتباعا لغرض النفس و حقيقة كفر هذا لأنه يعترف لله و رسوله بكل ما أخبر به و يصدق بكل ما يصدق به المؤمنون لكنه يكره ذلك و يبغضه و يسخطه لعدم موافقته لمراده و مشتهاه و يقول: أنا لا أقر بذلك و لا ألتزمه و أبغض هذا الحق و أنفر عنه فهذا نوع من غير النوع الأول و تكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام و القرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع بل عقوبته أشد و في مثله قيل: [ أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ] ـ و هو إبليس و من سلك سبيله ـ و بهذا يظهر الفرق بين العاصي فإنه يعتقد وجوب ذلك الفعل عليه و يحب أنه يفعله لكن الشهوة و النفرة منعته من الموافقة فقد أتى من الإيمان بالتصديق و الخضوع و الانقياد و ذلك قول و قول لكن لم يكمل العمل
و أما إهانة الرجل من يعتقد و وجوب كرامته كالوالدين و نحوهما فلأنه لم يهن من كان الانقياد له و الإكرام شرطا في إيمانه و إنما أهان من إكرامه شرط في بره و طاعته و تقواه و جانب الله و الرسول إنما كفر فيه لأنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق تصديقا يقتضي الخضوع و الانقياد فحيث لم يقتضه لم يكن ذلك التصديق إيمانا بل كان وجوده شرا من عدمه فإن من خلق له حياة و إدراك و لم يرزق إلا بالعذاب كان فقد تلك الحياة و الإدراك أحب إليه من حياة ليس فيها إلا الألم و إذا كان التصديق ثمرته صلاح حاله و حصول النعم له و اللذة في الدنيا و الآخرة فلم يحصل معه إلا فساد حاله و البؤس و الألم في الدنيا و الآخرة كان أن لا يوجد أحب إليه من أن يوجد
و هنا كلام طويل في تفصيل هذه الأمور و من حكم الكتاب و السنة على نفسه قولا و فعلا و نور الله قلبه تبين له ضلال كثير من الناس ممن يتكلم برأيه فيه سعادة النفوس بعد الموت و شقاوتها جريا على منهاج الذين كذبوا بالكتاب و بما أرسل الله به و رسله و نبذوا الكتاب وراء ظهورهم و اتباعا لما تتلوه الشياطين