فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 322

و القرآن قد نص على الفرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين فقال تعالى: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ] فلا يجوز أن يكون مجرد أذى المؤمنين بغير حق موجبا للعنة الله في الدنيا و الآخرة و للعذاب المهين إذ لو كان كذلك لم يفرق بين أذى الله و رسوله و بين أذى المؤمنين و لم يخصص مؤذي الله و رسوله باللعنة المذكورة و يجعل جراء مؤذي المؤمنين أنه احتمل بهتانا و إثما مبينا كما قال في موضع آخر: { و من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا و إثما مبينا } [ النساء: 112 ] كيف و العليم الحكيم إذا توعد على الخطيئة زاجرا عنها فلا بد أن يذكر أقصى ما يخاف على صاحبها فإذا ذكر خطيئتين إحداهما أكبر من الأخرى متوعدا عليهما زاجرا عنهما ثم ذكر في إحداهما جزاء عنها و ذكر في الأخرى ما هو دون ذلك ثم ذكر هذه الخطيئة في موضع آخر متوعدا عليها بالعذاب الأدنى بعينه علم أن جزاء الكبرى لا يستوجب بتلك التي هي أدنى منها

فهذا دليل يبين لك أن لعنة الله في الدنيا و الآخرة و إعداده العذاب المهين لا يستوجبه مجرد القذف الذي ليس فيه أذى الله و رسوله و هذا كاف في اطراد الدلالة و سلامتها عن النقص

و أما الجواب المفصل فمن ثلاثة أوجه:

أحدهما: أن هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة في قول كثير من أهل العلم

فروى هشيم عن العوام بن خوشب حدثنا شيخ من بني كاهل قال: فسر ابن عباس سورة النور فلما أتى على هذه الآية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } إلى آخر الآية [ النور: 23 ] قال: هذه في شأن عائشة و أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة و هي مبهمة ليس فيها توبة و من قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: { و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } إلى قوله: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك و اصلحوا } [ النور: 5 ] فجعل لهؤلاء توبة و لم يجعل لأولئك توبة قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر

و قال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات } نزلت في عائشة رضي الله عنها خاصة و اللعنة في المنافقين عامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت