فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 322

و عن أبي مشجعة بن ربعي قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام قام قسطنطين بطريق الشام و ذكر معاهدة عمر له و شروطه عليهم قال: اكتب بذلك كتابا قال عمر: نعم فبينا هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر فقال: إني أستثني عليك معرة الجيش مرتين قال: لك ثنتان و قبح الله من أقالك فلما فرغ عمر من الكتاب قال له: ياأمير المؤمنين قم في الناس فأخبرهم الذي جعلت لي و فرضت علي ليتناهوا عن ظلمي قال عمر: نعم فقام في الناس فحمد الله و أثنى عليه فقال: الحمد لله أحمده و أستعينه من يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدا قال عمر: ما تقول ؟ قال: لا شيء و عاد النبطي لمقالته فقال: أخبروني ما يقول قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا و الذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك و عاد عمر و لم يعد النبطي فلما فرغ عمر أخذ النبطي الكتاب رواه حرب

فهذا عمر رضي الله عنه بمحضر من المهاجرين و الأنصار يقول لمن عاهده: إنا لم نعطك العهد على أن تدخل علينا في ديننا و حلف لئن عاد ليضربن عنقه فعلم بذلك إجماع الصحابة على أن أهل العهد ليس لهم أن يظهروا الاعتراض علينا في ديننا و أن ذلك منهم مبيح لدمائهم

و إن من أعظم الاعتراضات سب نبينا صلى الله عليه و سلم و هذا ظاهر لا خفاء به لأن إظهار التكذيب بالقدر من إظهار شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم

و إنما لم يقتله عمر لأنه لم يكن قد تقرر عنده أن هذا الكلام طعن في ديننا لجواز أن يكون اعتقد أن عمر قال ذلك من عنده فلما تقدم إليه عمر و بين له أن هذا ديننا قال له: لئن عدت لأقتلنك

و من ذلك ما استدل به الإمام أحمد و رواه عن هشيم: ثنا حصين عمن حدثه عن ابن عمر قال: مر به راهب فقيل له: هذا يسب النبي صلى الله عليه و سلم فقال ابن عمر: لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا صلى الله عليه و سلم

و رواه أيضا من حديث الثوري عن حصين عن شيخ أن ابن عمر أصلت على راهب سب النبي صلى الله عليه و سلم بالسيف و قال: إنا لم نصالحهم على سب النبي صلى الله عليه و سلم

و الجمع بين الرواتين أن يكون ابن عمر أصلت عليه السيف لعله يكون مقرا بذلك فلما أنكر كف عنه و قال: لو سمعته لقتلته و قد ذكر حديث ابن عمر غير واحد

و هذه الآثار كلها نص في الذمي و الذمية و بعضها عام في الكافر و المسلم أو نص فيهما

و قد تقدم حديث الرجل الذي قتله عمر من غير استتابة حين أبى أن يرضى بحكم النبي صلى الله عليه و سلم و حديث كشفه عن رأس صبيغ بن عسل و قوله: لو رأيتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك من غير استتابة و إنما ذنب طائفته الاعتراض على سنة الرسول الله صلى الله عليه و سلم

و قد تقدم عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } الآية [ النور: 23 ] : هذه في شأن عائشة و أزواج النبي صلى الله عليه و سلم خاصة ليس فيها توبة و من قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة و قال: نزلت في عائشة خاصة و اللعنة للمنافقين عامة و معلوم أن ذاك إنما هو لأن قذفها أذى للنبي صلى الله عليه و سلم و نفاق و المنافق يجب قتله إذا لم تقبل توبته

و روى الإمام أحمد بإسناده عن سماك بن الفضل عن عروة بن محمد عن رجل من بلقين أن امرأة سبت النبي صلى الله عليه و سلم فقتلها خالد بن الوليد و هذه المرأة مبهمة

و قد تقدم حديث محمد بن مسلمة في ابن يامين الذي زعم أن قتل كعب ابن الأشرف كان غدرا و حلف محمد بن مسلمة لئن وجده خاليا ليقتلنه لأنه نسب النبي صلى الله عليه و سلم إلى الغدر و لم ينكر المسلمون عليه ذلك

و لا يرد على ذلك إمساك الأمير ـ إما معاوية أو مروان ـ عن قتل هذا الرجل إن سكوته لا يدل على مذهب و هو لم يخالف محمد بن مسلمة و لعل سكوته لأنه لم ينظر في حكم هذا الرجل أو نظر فلم تتبين له حكمة أو لم تنبعث داعية لإقامة الحد عليه أو ظن أن الرجل قال ذلك معتقدا أنه قتل دون أمر النبي صلى الله عليه و سلم أو لأسباب أخر

و بالجملة فمجرد كفه لا يدل على أنه مخالف لمحمد بن مسلمة فيما قاله و ظاهر القصة أن محمد بن مسلمة رآه مخطئا بترك إقامة الحد على ذلك الرجل و لذلك هجره لكن هذا الرجل إنما كان مسلما فإن المدينة لم يكن بها يومئذ أحد من غير المسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت