الطريقة السابعة و العشرون: أنه سبحانه و تعالى قال: { إن شانئك هو الأبتر } [ الكوثر: 3 ] فأخبر سبحانه أن شانئه هو الأبتر و البتر: القطع يقال: بتر يبتر بترا و سيف بتار إذا كان قاطعا ماضيا و منه في الاشتقاق الأكبر تبره تتبيرا إذا أهلكه و التبار: الهلاك و الخسران و بين سبحانه أنه هو الأبتر بصيغة الحصر و التوكيد لأنهم قالوا: إن محمدا ينقطع ذكره لأنه لا ولد له فبين الله أن الذي يشنأه هو الأبتر لا هو [ صلى الله عليه و سلم ] و الشنآن منه ما هو باطن في القلب لم يظهر و منه ما يظهر على اللسان و هو أعظم الشنآن و أشده و كل جرم استحق فاعله عقوبة من الله إذا أظهر ذلك الجرم عندنا وجب أن نعاقبه و نقيم عليه حد الله
فيجب أن نبتر من أظهر شنآنه و أبدى عداوته و إذا كان ذلك واجبا وجب قتله و إن أظهر التوبة بعد القدرة وإلا لما انبتر له شانىء بأيدينا في غالب الأمر لأنه لا يشاء شانىء أن يظهر شنآنه ثم يظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل ذلك فإن ذلك سهل على من يخاف السيف
تحقيق ذلك أنه سبحانه رتب الانبتار على شنآنه و الاسم المشتق المناسب إذا علق به حكم كان ذلك دليلا على أن المشتق منه علة لذلك الحكم فيجب أن يكون شنآنه هو الموجب لانبتاره و ذلك أخص مما تضمنه الشنآن من الكفر المحض أو نقض العهد و الانبتار يقتضي وجوب قتله بل يقتضي انقطاع العين و الأثر فلو جاز استحياؤه بعد إظهار الشنآن لكان في ذلك إبقاء لعينه و أثره و إذا اقتضى الشنآن قطع عينه و أثره كسائر الأسباب الموجبة لقتل الشخص
و ليس شيء يوجب قتل الذمي إلا و هو موجب لقتله بعد الإسلام إذ الكفر المحض مجوز للقتل لا موجب له على الإطلاق و هذا لأن الله سبحانه لما رفع ذكر محمد عليه الصلاة و السلام فلا يذكر إلا ذكر معه و رفع ذكر من اتبعه إلى يوم القيامة حتى إنه يبقى ذكر من بلغ عنه و لو حديثا و إن كان غير فقيه أثر من شنأه من المنافقين و إخوانهم من أهل الكتاب و غيرهم فلا يبقى له ذكر حميد و إن بقيت أعيانهم وقتا لم يظهروا الشنآن فإذا أظهروه محقت أعيانهم و أثارهم تقديرا و تشريعا فلو استبقى من أظهر شنآنه بوجه ما لم يكن مبتورا إذ البتر يقتضي قطعه و محقه من جميع الجوانب و الجهات فلو كان له وجه إلى البقاء لم يكن مبتورا يوضح ذلك أن العقوبات التي شرعها الله نكالا مثل قطع السارق و نحوه لا تسقط بإظهار التوبة إذ النكال لا يحصل بذلك فما شرع لقطع صاحبه و بتره و محقه كيف يسقط بعد الأخذ فإن هذا اللفظ يشعر بأن المقصود اصطلام صاحبه و استئصاله و اجتياحه و قطع شنآنه و ما كان بهذه المثابة كان عما يسقط عقوبته أبعد من كل أحد و هذا بين لمن تأمله و الله أعلم