قال ابن عقيل: فكما أخذ على المسلم أن لا يعتقد ذلك أخذ على الذمي أن لا يظهره فإظهار هذا كإضمار ذاك و إضماره لا ضرر على الإسلام و لا إزراء فيه و في إظهاره ضرر و إزراء على الإسلام و لهذا ما بطن من الجرائم لا يتبعها في حق المسلم و لو أظهرها أقمنا عليهم حد الله
و طرد القاضي و ابن عقيل هذا القياس في كل ما ينقص الإيمان من الكلام مثل التثنية و التثليث كقول النصارى: إن الله ثالث ثلاثة و نحوه ذلك: أن الذمي أظهر ما يعلمه من دينه من الشرك نقض العهد ن كما انه إن أظهر ما نعلمه بقوله في نبينا عليه الصلاة و السلام نقض العهد
قال القاضي: و قد نص أحمد على ذلك فقال في رواية حنبل: [ كل من ذكر شيئا يعرض به الرب فعليه القتل ـ مسلما كان او كافرا ـ و هذا مذهب اهل المدينة ]
و قال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يهودي مر بؤذن و هو يؤذن فقال له: كذبت فقال: يقتل لأنه شتم فقد نص على قتل من كذب المؤذن في كلمات الأذان ن و هي قول [ الله أكبر ] أو [ أشهد أن لا إله إلا الله ] أو [ أشهد أن محمدا رسول الله ] و قد ذكرها الخلال و القاضي في سب الله بناء على أنه كذبه فيما يتعلق بذكر الرب سبحانه و الأشبه أنه عام في تكذيبه فيما يتعلق بذكر الرب و ذكر الرسول بل هو في هذا أولى لأن اليهودي لا يكذب من قال: [ لا إله إلا الله ] و لا من قال [ الله أكبر ] و إنما يكذب من قال إن محمدا رسول الله ن و هذا قول جمهور المالكيين قالوا: إنه يقتل بكل سب سواء كانوا يستحلونه لأنهم و إن استحلوه فإنا لم نعطيهم العهد على إظهاره مصعب و طائفه من المدنيين
قال أبو مصعب في نصراني قال [ و الذي اصطفى عيسى على محمد ] : اختلف العلماء فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما و ليلة و أمرت من جر برجله و طرح على مزبلة فأكلته الكلاب ]
و قال أبو مصعب في نصراني قال: [ عيسى خلق محمدا ] قال: يقتل
و أفتى سلف الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية و بنوه عيسى لله
و قال ابن القاسم فيمن سبه فقال:[ ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن و إنما شيء يقوله و
نحو هذا: فقيل فإن قال [ إن محمدا لم يرسل إلينا و إنما أرسل إليكم و إنما نبينا موسى أو عيسى ] و نحو هذا: لا شيء عليهم لأن الله أقرهم على مثله
قال ابن القاسم: و إذا قال النصراني [ ديننا خير من دينكم و إنما دينكم دين الحمير ] و نحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول: [ أشهد أن محمدا رسول الله ] فقال: كذلك يعظكم الله ففي هذا الأدب الموجع و السجن الطويل و هذا قول محمد بن سحنون و ذكره عن أبيه و لهم قول آخر فيما إذا سبه بالوجه الذي به كفروا أنه لا يقتل
قال سحنون عن ابن القاسم: من شتم الأنبياء من اليهود و النصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم و قال سحنون في اليهودي يقول للمؤذن إذا تشهد قوله سبحانه كذبت ]: يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل ]
و قد تقدم نص الإمام أحمد في مثل هذه الصورة على القتل لأنه شتم
و كذلك اختلف أصحاب الشافعي في سب الذي ينتقض به عهد الذمي و يقتل به إذا قلنا بذلك على الوجهين: أحدهما: ينتقض بمطلق السب لنبينا و القدح في ديننا إذا أظهروه و إن كانوا يعتقدون ذلك دينا و هذا قول أكثرهم و الثاني: أنهم إن ذكروه بما يعتقدونه فيه دينا من أنه ليس برسول و القرآن ليس بكلام الله فهو كإظهار قولهم في المسيح و معتقدهم في التثليث قالوا: و هذا لا ينقض العهد بلا تردد بل يعزرون على إظهار و أما ما ذكروه بما يعتقدونه ديناكالطعن في سبه فهو الذي قيل فيه: ينقض العهد و هذا اختيار الصيدلاني و أبي المعالي و غيرهما
و حجة من فرق بين ما يعتقدونه دينا و ما لا يعتقدونه ـ كما اختاره بعض المالكية و بعض الشافعية ـ أنهم قد أقروا على دينهم الذي يعتقدونه لكن منعوا من إظهره كان كما لو أظهره سائر المناكير التي هي من دينهم كالخمر و الخنزير و الصليب و رفع الصوت بكتابهم و نحو ذلك و هذا إنما يستحقون عليه العقوبة و النكال بما دون القتل
يؤيد ذلك أن إظهار معتقدهم في الرسول ليس بأعظم من إظهار معتقدهم في الله و قد علم هؤلاء أن إظهار معتقدهم لا يوجب القتل و استبعدوا أن ينتقض عهدهم بإظهار معتقدهم إذا لم يكن مذكورا في الشرط ن و هذا بخلاف ما إذا سبوه بما يعتقدونه دينا فإنا لم نقرهم على ذلك ظاهرا و لا باطنا ن و ليس هو من دينهم فصار بمنزلة الزنا و السرقة و قطع الطريق و هذا القول مقارب لقول الطكوفيين و قد ظن من سلكه انه لخص بذلك من سؤالهم و ليس الأمر كما اعتقده فإن الأدلة التي ذكرناها من الكتاب و السنة و الإجماع و الاعتبار كلها تدل على السب بما يعتقده فيه دينا و ما لا يعتقده فيه دينا و أن مطلق السب موجب للقتل
و من تأمل كل دليل بانفراده لم يخف عليه أنها جميعا تدل على السب المعتقد دينا كما تدل على السب الذي لا يعتقد دينا و منها ما هو نص في السب الذي يعتقد دينا بل أكثرهم فإن الذين كانوا يهجونه من الكفار الذين أهدر دماءهم لم يكونوا يهجونه إلا بما يعتقدونه دينا مثل نسبته إلى الكذب و السحر و ذم دينه و من اتبعه و تنفير الناس عنه إلى غير ذلك من الأمور ن فأما الطعن في نسبه أو خلقه أو خلقه أو أمانه أو وفائه أو صدقه في غير دعوى الرسالة فلم يكن أحد يتعرض لذلك في غالب الأمور و لا يتمكن من ذلك و لا يصدقه أحد في ذلك لا مسلم و لا كافر لظهور كذبه و قد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته
ثم نقول: هذا الفرق منهافت من وجوه: