الموضع الرابع: قوله سبحانه: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم } [ التوبة: 62 ] فإنه يدل على أن أذى النبي صلى الله عليه و سلم محاددة لله و لرسوله لأنه قال هذه الآية عقب قوله تعالى: { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن } الآية [ التوبة: 61 ] ثم قال: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم و الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فلو لم يكونوا بهذا الأذى محادين لم يحسن أن يوعدوا بأن للمحاد نار جهنم لأن يمكن حينئذ أن يقال: قد علموا أن للمحاد نار جهنم لكنهم لم يحادوا و إنما آذوا فلا يكون في الآية و عيد لهم فعلم أن هذا الفعل لا بد أن يندرج في عموم المحادة ليكون و عيد المحاد و عيدا له و يلتئم الكلام
و يدل على ذلك أيضا ما روى الحاكم في صحيحه بإسناد صحيح [ عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في ظل حجرة من حجره و عنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعين شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمه فقال: علام تشتمني أنت و فلان و فلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله و اعتذروا إليه ] فأنزل الله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفوا له كما يحلفون لكم و يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون } [ المجادلة: 18 ] ثم قال بعد ذلك: { إن الذين يحادون الله و رسوله } فعلم أن هذا داخل في المحادة
و في رواية أخرى صحيحة أنه نزل قوله { يحلفون لكم لترضوا عنهم } [ التوبة: 96 ]
و قد قال: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم } [ التوبة: 62 ] ثم قال عقبه: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله } فثبت أن هؤلاء الشاتمين محادون و سيأتي ـ إن شاء الله ـ زيادة في ذلك
و إذا كان الأذى محادة لله و رسوله فقد قال تعالى: { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز } [ المجادلة: 21 ] و الأذل: أبلغ من الذليل و لا يكون أذل حتى يخاف على نفسه و ماله إن أظهر المحادة لأنه إن كان دمه و ماله معصما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله تعالى: { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله و حبل من الناس } [ آل عمران: 112 ] فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد و حبل لا ذلة عليه و إن كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة و قد جعل المخادعين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية و هذا ظاهر فإن الأذل هو الذي ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره و منعه بأذل فثبت أن المحاد لله و لرسوله لا يكون له عهد يعصمه و المؤذي للنبي صلى الله عليه و سلم محاد فالمؤذي للنبي ليس له عهد يعصم دمه و هو المقصود
و أيضا فإنه قال تعالى: { إن الذين يحادون الله و رسوله كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } [ المجادلة: 5 ] و الكبت: إذلال و الخزي و الصرع قال الخليل: الكبت هو الصرع على الوجه و قال النضر بن شميل و ابن قتيبة: هو الغيظ و الحزن و هو في الأشقاق الأكبر من كبده كأن الغيظ و الحزن أصاب كبده كما يقال: أحرق الحزن و العداوة كبده و قال أهل التفسير: كتبوا أهلكوا و أخزوا و حزنوا فثبت أن المحادة أن مكبوت مخزى ممتل غيظا و حزنا هالك و هذا إنما يتم إذا خاف إن أظهر المحاداة أن يقتل و إلا فمن أمكنه إظهار المحادة و هو آمن على دمه و ماله فليس بمكبوت بل مسرور جذلان و لأنه قال: { كتبوا كما كتب الذين من قبلهم } و الذين من قبلهم ممن حاد الرسل و حاد رسول الله إنما كتبه الله بأن أهلكه بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين و الكبت و إن كان يحصل منه نصيب لكل من لم ينل غرضه كما قال سبحانه: { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } [ آل عمران: 127 ] لكن قوله تعالى: { كما كبت الذين الذين من قبلهم } يعني محادي الرسل دليل على الهلاك أو كتم الأذى بيبين ذلك أن المنافقين هم من المحادين فهم مكبوتون بموتهم بغيظم لخوفهم أنهم إن أظهروا ما في قلوبهم قتلوا فيجب أن يكون كل محاد كذلك