الطريقة الثامنة: أنه قد دل هذا الحديث على أن أذى الله و رسوله علة للانتداب إلى قتل كل أحد فيكون ذلك علة أخرى غير مجرد الكفر و الردة فإن ذكر الوصف بعد الحكم بحرف الفاء دليل على أنه علة و الأذى لله و رسوله يوجب القتل و يوجب نقض العهد و يوجب الردة
يوضح ذلك أن أذى الله و رسوله لو كان إنما أوجب قتله لكونه كافرا غير ذي عهد لوجب تعليل الحكم بالوصف الأعم إذا كان مستقلا بالحكم كان الأخص عديم التأثير فلما علل قتله بالوصف الأخص علم أنه مؤثر في الأمر بقتله لا سيما في كلام من أوتى جوامع الكلم و إذا كان المؤثر في قتله أذى الله و رسوله وجب قتله و إن تاب كما ذكرناه فيمن سب النبي عليه الصلاة و السلام من المسلمين فإن كليهما أوجب قتله أنه آذى الله و رسوله وهو مقر للمسلمين بأن لا يفعل ذلك فلو كان عقوبة هذا المؤذي تسقط بالتوبة سقطت عنهما و لأنه قال سبحانه: { إن الذين يؤذون الله و رسوله لعنهم الله في الدنيا و الآخرة و أعد لهم عذابا مهينا } [ الأحزاب: 57 ]
و قال في خصوص هذا المؤذي: { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } [ النساء: 52 ] و قد أسلفنا أن هذه اللعنة توجب القتل إذا أخذ و لأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله و رسوله ثم قال: { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } [ الأحزاب: 58 ]
و لا خلاف علمناه أن الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات لا تسقط عقوبتهم بالتوبة فالذين يؤذون الله و رسوله أحق و أولى لأن القرآن قد بين أن هؤلاء أسوا حالا في الدنيا و الآخرة فلو اسقطنا عنهم العقوبة بالتوبة لكانوا أحسن حالا
و ليس للمنازع هنا إلا كلمة واحدة و هو أن يقول: [ هذا قد تغلظت عقوبته بالقتل لأنه نوع من المرتدين و ناقض العهد و الكافر تقبل توبته من الكفر و تسقط عنه العقوبة بخلاف المؤذي بالفسق ]
فيقال له: هذا لو كان الموجب لقتله إنما هو الكفر و قد دلت السنة على أن الموجب لقتله إنما هو أذى الله و رسوله و هذا أخص من عموم الكفر و كما أن الزنا و السرقة و الشرب و قطع الطريق أخص من عموم المعصية و الشارع رتب الأمر بالقتل على هذا الوصف الأخص الذي نسبته إلى سائر أنواع الكفر نسبه أذى المؤمنين إلى سائر أنواع المعاصي فإلحاق هذا النوع بسائر الأنواع جمع بين ما فرق الله و رسوله و هو من القياس الفاسد كقياس الذين قالوا: [ إنما البيع مثل الربا ] و إنما الواجب أن يوفر على كل نوع حظه من الحكم بحسب ما علقه به الشارع من الأسماء و الصفات المؤثرة الذي دل كلامه الحكيم على اعتبارها و تغليظ عقوبته ابتداء لا يوجب تخفيفها انتهاء بل يوجب تغلظ مطلقا إذا كان الجرم عظيما و سائر الكفار لم تغلظ عقوبتهم ابتداء و الانتهاء مثل هذا فإنه يجوز إقرارهم بجزية و استرقاقهم في الجملة و يجوز الكف عنهم مع القدرة لمصلحة ترتقب و هذا بخلاف ذلك
و أيضا فإن الموجب لقتله إذا كان هو أذى الله و رسوله كان محاربا لله و رسوله و ساعيا في الأرض فسادا و قد أومأ النبي عليه الصلاة و السلام إلى ذلك في حديث ابن الأشرف كما تقدم و هذا الوصف قد رتب عليه من العقوبة مالم يرتب على غيره من أنواع الكفر و حتمت عقوبة صاحبه إلا أن يتوب قبل القدرة