فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 322

أحدهما أنه قال: إن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه و سلم فخنقها رجل فأبطل دمها فرتب علي رضي الله عنه إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلية و إن كان ذلك في اللفظ الصحابي كما لو قال: [ زنا ماعز فرجم ] و نحو ذلك إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه و سلم من أمر و نهي و حكم و تعليل في الاحتجاج به أن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه و سلم أو يحكى بلفظه معنى [ كلام ] النبي صلى الله عليه و سلم فإذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا أو نهانا عن كذا أو حكم بكذا أو فعل كذا لأجل كذا كان حجة لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد أن يعلم الذي يجوز له معه أن ينقله و تطرق الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه كتطرق النسيان و السهو في الرواية و هذا يقرر في موضعه

و مما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما ذكر له أنها قتلت نشذ الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها و هو صلى الله عليه و سلم إذا حكم بأمر عقب حكاية حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث و لا سبب إلا ما حكي له و هو مناسب فتجب الإضافة إليه

الوجه الثاني: أن نشد النبي صلى الله عليه و سلم الناس في أمرها ثم إبطال دليل دمها على أنها كانت معصومة و أن دمها كان قد انعقد سبب ضمانه و كان مضمونا لو لم يبطله النبي صلى الله عليه و سلم لأنها لو كانت حربية لم ينشد الناس فيها و لم يحتج أن يبطل دمها و يهدره لأن الإبطال و الإهدار لا يكون إلا لدم قد انعقد له سبب الضمان ألا ترى أنه لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر قتلها و نهى عن قتل النساء و لم يهدره فإنه إذا كان في نفسه باطلا هدرا و المسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم يكن لإبطاله و إهداره وجه و هذا و لله الحمد ظاهر

فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم قد عاهد المعاهدين اليهود عهدا بغير ضرب جزية عليهم ثم إنه أهدر دم يهودية من اليهود الذين ضربت عليهم الجزية و الزموا أحكام العلة لأجل ذلك أولى و أحرى و لو لم يكن قتلها جائزا ليبين للرجل قبح ما فعل فإنه قد قال صلى الله عليه و سلم: [ من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة ] و لأوجب ضمانها أو الكفارة [ كفارة قتل المعصوم ] فلما أهدر دمها علم أنه كان مباحا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت