و قد ذكرنا فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: يقتل بكل حال و هو المشهور من مذهب الإمام أحمد و مذهب الإمام مالك إذا تاب بعد أخذه و هو وجه لأصحاب الشافعي
الثان
ي: يقتل إلا أن يتوب بالإسلام و هو ظاهر الرواية الأخرى عن مالك و أحمد
و الثالث: يقتل إلا أن يتوب بالإسلام أو العود إلى الذمة كما كان و عليه يدل ظاهر عموم كلام الشافعي إلا أن يتأول و على هذا فإنه يعاقب إذا عاد إلى الذمة و لا يقتل
فمن قال: [ إن القتل يسقط عنه بالإسلام ] فإنه يستدل بمثل ما ذكرنا في المسلم فإنه كله يدل على أن الكافر أيضا إذا أسلم سقط عنه موجب السب و يدل على ذلك أيضا أن الصحابة ذكروا أنه إذا فعل ذلك فهو فهو غادر محارب و أنه ناقض للعهد و معلوم أن من حارب و نقض العهد إذا أسلم عصم دمه و ماله و قد كان كثير من المشركين مثل ابن الزبعري و كعب بن زهير و أبي سفيان ابن الحارث و غيرهم يهجون النبي صلى الله عليه و سلم بأنواع الهجاء ثم أسلموا فعصم الإسلام دماءهم و أموالهم و هؤلاء و إن كانوا محاربين لم يكونوا من أهل العهد فهو دليل على أن حقوق الآدميين التي يستحلها الكافر إذا فعلها ثم أسلم سقطت عنه كما تسقط حقوق الله
و لهذا أجمع المسلمون إجماعا مستندة كتاب الله و سنة نبيه الظاهرة أن الكافر الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بما كان أصابه من المسلمين من دم أو مال أو عرض و الذمي إذا سب رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنه معتقد حل ذلك و عقد الذمة لم يوجب عليه تحريم ذلك فإذا أسلم لم يؤخذ به بخلاف ما يصيبه من دماء المسلمين و أموالهم و أعراضهم فإن عقد الذمة يوجب تحريم ذلك عليه منا كما يوجب تحريم ذلك علينا منه و إن كان يوجب علينا الكف عن سب دينهم و الطعن فيه فهذا أقرب ما يتوجه به الاستدلال بقصص هؤلاء و إن كان الاستدلال به خطأ
و أيضا فإن الذمي إما أن يقتل إذا سب لكفره أو حرابه كما يقتل الحربي الساب أو يقتل حدا من الحدود كما يقتل لزناه بذمية و قطع الطريق على ذمي و الثاني باطل فتعين الأول و ذلك لأن السب من حيث هو سب ليس فيه أكثر من انتهاك العرض و هذا القدر لا يوجب إلا الجلد بل لا يوجب على الذمي شيئا لاعتقاده حل ذلك نعم إنما صولح على الكف و الإمساك فمتى أظهر السب زال العهد فصار حربيا و لأن كون السب موجبا للقتل حدا حكم شرعي فيفتقر إلى دليل على ذلك و لا دليل على ذلك إذ أكثر ما يذكر من الأدلة إنما يفيد أنه يقتل و ذلك متردد بين كون القتل لكفره و حرابه أو لخصوص السب و لا يجوز إثبات الأحكام بمجرد الاستحسان و الاستصلاح فإن ذلك شرع للدين بالرأي و ذلك حرام لقوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله } [ الشورى: 21 ]
و القياس في المسألة متعذر لوجهين
أحدهما: أن كثيرا من النظار يمنع جريان القياس في الأسباب و الشروط و الموانع لأن ذلك يفتقر إلى معرفة نوع الحكمة و قدرها و ذلك متعذر لأن ذلك يخرج السب عن أن يكون سبا و شرط القياس بقاء حكم الأصل و لأنه ليس في الجنايات الموجبة للقتل حدا ما يمكن إلحاق السب بها لاختلافهما نوعا و قدرا و اشتراكهما في عموم المفسدة لا يوجب الإلحاق بالاتفاق و كون هذه المفسدة مثل هذه المفسدة يفتقر إلى دليل و إلا شرعا بالرأي و وضعا للدين بالمعقول و ذلك انحلال عن معاقد الدين و انسلال عن روابط الشريعة و انخلاع من ربق الإسلام و سياسة للخلق بالآراء الملكية و الأنحاء العقلية و ذلك حرام بلا ريب فثبت أنه إنما يقتل لأجل كفره و حرابه و معلوم أن الإسلام يسقط القتل الثابت للكفر و الحراب بالاتفاق
و أيضا فالذمي لو كان يسب النبي صلى الله عليه و سلم فيما بينه و بين الله تعالى و يقول ما عسى أن يقول من القبائح ثم أسلم و اعتقد نبوته و رسالته لمحا ذلك عنه جميع تلك السيئات و لا يجوز أن يقال: [ إن النبي صلى الله عليه و سلم يطالبه بموجب سبه في الدنيا و لا في الآخرة ] و من قال ذلك علم أنه مبطل في مقالته للعلم بأن الكافرين يقولون في الرسول شر المقالات و أشنعها و قد أخبر الله تعالى عنهم في القرآن ببعضها مثل قولهم ساحر و كاهن و مجنون و مفتر و قول اليهود في مريم بهتانا عظيما و نسبتها إلى الفاحشة و أن المسيح لغير رشدة و هذا هو القذف الصريح ثم لو أسلم اليهودي و أقر بنبوة المسيح و أنه عبد الله و رسوله و أنه برئ مما رمته اليهود لم يبق للمسيح عليه تبعة