أحدها: أنه سبحانه و تعالى إنما ذكر أنهم قالوا كلمة الكفر و هموا بما لم ينالوا و ليس في هذا ذكر للسب و للكفر أعم من السب و لا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص لكن فيما ذكر من سبب نزولها ما يدل على أنها نزلت فيمن سب فيبطل هذا
الوجه الثاني: أنه سبحانه و تعالى إنما عرض التوبة على الذين يحلفون بالله ما قالوا و هذا حال من أنكر أن يكون تكلم بكفر و حلف على إنكاره فأعلم الله نبيه أنه كاذب في يمينه و هذا كان شأن كثير ممن يبلغ النبي صلى الله عليه و سلم عنه الكلمة من النفاق و لا تقوم عليه به بينة هذا لا يقام عليه حد إذ لم يثبت عليه في الظاهر شيء و النبي صلى الله عليه و سلم إنما يحكم في الحدود و نحوها بالظاهر و الذي ذكروه في سبب نزولها من الوقائع كلها إنما فيه أن النبي صلى الله عليه و سلم أخبر بما قالوه بخبر واحد إما حذيفة أو عامر بن قيس أو زيد بن أرقم أو غير هؤلاء أو أنه أوحى إليه وحي بحالهم
و في بعض التفاسير أن المحكي عنه هذه الكلمة [ الجلاس بن سويد ] اعترف بأنه قالها و تاب من ذلك من غير بينة قامت عليه فقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك منه و هذا كله دلالة واضحة على أن التوبة من مثل هذا مقبولة و هو توبة من ثبت عليه نفاق و هذا لا خلاف فيه إذا تاب فيما بينه و بين الله سرا كما نافق سرا أنه تقبل توبته و لو جاء مظهرا لنفاقه المتقدم و لتوبته منه من غير أن تقوم عليه بينة بالنفاق قبلت توبته أيضا على القول المختار كما تقبل توبة من جاء مظهرا للتوبة من زنا أو سرقة عليه على الصحيح و أولى من ذلك و أما من ثبت نفاقه بالبينة فليس في الآية و لا فيما ذكر من سب نزولها ما يدل على قبول توبته بل و ليس في نفس الآية ما يدل على ظهور التوبة بل يجوز أن يحمل على توبته فيما بينه و بين الله فإن ذلك نافع وفاقا و إن أقيم عليه الحد كما قال تعالى: { و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله } [ آل عمران: 135 ] و قال تعالى: { و من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } [ النساء: 110 ] و قال الله تعالى: { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } [ الزمر: 53 ] و قال تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [ التوبة: 104 ] و قال تعالى: { غافر الذنب و قابل التوب } [ غافر: 3 ] إلى غير ذلك من الآيات مع أن هذا لا يوجب أن يسقط الحد الواجب بالبينة عمن أتى بفاحشة موجبة للحد أو ظلم نفسه بشرب أو سرقة فلو قال من لم يسقط الحد عن المنافق سواء ثبت نفاقه ببينة أو إقرار: [ ليس في الآية ما يدل على سقوط الحد عنه ] لكان لقوله مساغ
الوجه الثالث: أنه قال سبحانه و تعالى: { جاهد الكفار و المنافقين و أغلظ عليهم ـ إلى قوله ـ يحلفون بالله ما قالوا } الآية [ التوبة: 73 ] و هذا تقرير لجهادهم و بيان لحكمته و إظهار لحاكم المقتضي لجهادهم فإن ذكر الوصف المناسب بعد الحكم يدل على أنه علة له و قوله: { يحلفون بالله ما قالوا } [ التوبة: 74 ] وصف لهم و هو مناسب لجهادهم فإن كونهم يكذبون في أيمانهم و يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر بموجب للإغلاظ عليهم بحيث لا يقبل منهم و لا يصدقون فيما يظهرونه من الإيمان بل ينتهرون و يرد ذلك عليهم
و هذا كله دليل على أنه لا يقبل ما يظهره من التوبة بعد أخذه إذا لا فرق بين كذبه فيما يخبر به عن الماضي أنه لم يكفر و فيما يخبره من الحاضر أنه ليس بكافر فإذا بين سبحانه و تعالى من حالهم ما يوجب أن لا يصدقوا وجب أن لا يصدق في إخباره أنه ليس بكافر بعد ثبوت كفره بل يجري عليه حكم قوله تعالى { و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [ المنافقين: 1 ] لكن بشرط أن يظهر كذبه فيها بدون ذلك فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس و لا نشق بطونهم و على هذا فقوله تعالى: { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } [ التوبة: 74 ] أي قبل ظهور النفاق و قيام البينة به عند الحاكم حتى يكون للجهاد موضع و للتوبة [ موضع ] و إلا فقبول التوبة الظاهرة في كل وقت يمنع الجهاد لهم بالكلية الوجه الرابع: أنه سبحانه و تعالى قال بعد ذلك: { و إن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا و الآخرة } [ التوبة: 74 ] و فسر ذلك في قوله تعالى: { و نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } [ التوبة: 52 ]
و هذا دليل على أن هذه التوبة قبل أن نتمكن من تعذيبهم بأيدينا لأن من تولى عن التوبة حتى أظهر النفاق و شهد عليه به و أخذ فقد تولى عن التوبة التي عرضها الله عليه فيجب أن يعذبه الله عذابا أليما في الدنيا و القتل عذاب أليم فيصلح أن يعذب به لأن المتولي أبعد أحواله أن ترك التوبة إلى أن لا يتركه الناس لأنه لو كان المراد به تركها إلى الموت لم يعذب في الدنيا لأن عذاب الدنيا قد فات فلا بد أن يكون التولي ترك التوبة و بينه و بين الموت مهل يعذبه الله فيه كما ذكره سبحانه فمن تاب بعد الأخذ ليعذب فهو ممن لم يتب قبل ذلك بل تولى فيستحق أن يعذبه الله عذابا أليما في الدنيا و الآخرة و من تأمل هذه الآية و التي قبلها و جدهما دالتين على أن التوبة بعد أخذه لا ترفع عذاب الله عنه
و أما كون هذه التوبة مقبولة فيما بينه و بين الله و إن تضمنت التوبة من عرض الرسول فنقول أولا ـ و إن كان حق هذا الجواب أن يؤخر إلى المقدمة الثانية ـ هذا القدر لا يمنع إقامة الحد عليه إذا رفع إلينا ثم أظهر التوبة بعد ذلك كما أن الزاني و الشارب و قاطع الطريق إذا تاب فيما بينه و بين الله قبل أن يرفع إلينا قبل الله توبته و إذا اطلعنا عليه ثم تاب قوله تعالى فلا بد من إقامة الحد عليه و يكون ذلك من تمام توبته و جميع الجرائم من هذا الباب
و قد يقال: إن المنتهك لأعراض الناس إذا استغفر لهم قبل أن يعلموا بذلك رجي أن يغفر الله له على ما في ذلك الخلاف المشهور و لو ثبت ذلك عند السلطان ثم أظهر التوبة لم يسقط عقوبته ذلك أن الله سبحانه لا بد أن يجعل للمذنب طريقا إلى التوبة فإذا كان عليه تبعات للخلق فعليه أن يخرج منها جهده و يعوضهم عنها ما يمكنه و رحمة الله من وراء ذلك ثم ذلك لا يمنع أن نقيم عليه الحد إذا ظهرنا عليه و نحن إنما نتكلم في التوبة المسقطة للحد و العقوبة لا في التوبة الماحية للذنب
ثم نقول ثانيا: إن كان ما أتاه من السب قد صدر عن اعتقاد يوجبه فهو بمنزلة ما يصدر من سائر المرتدين و ناقضي العهد من سفك دماء المسلمين و أخذ أموالهم و انتهاك أعراضهم فإنهم يعتقدون في المسلمين اعتقادا يوجب إباحة ذلك ثم إذا تابوا توبة نصوحا من ذلك الاعتقاد غفر لهم موجبة المتعلق بحق الله و حق العباد كما يغفر للكافر الحربي موجب للكافر الحربي موجب اعتقاده إذا تاب منه مع أن المرتد أو الناقص متى فعل شيئا من ذلك قبل الإمتناع أقيم عليه حده و إن عاد إلى الإسلام سواء كان لله أو لآدمي فيحد على الزنا و الشرب و قطع الطريق و إن كان في زمن الردة و نقض العهد يعتقد حل ذلك الفرج لكونه وطئه بملك اليمين إذا قهر مسلمة على نفسها و يعتقد حل دماء المسلمين و أموالهم كما يؤخذ منه القود و حد القذف و إن كان يعتقد حلهما و يضمن ما أتلفه من الأموال و إن اعتقد حلها
و الحربي الأصل لا يؤخذ بشيء من ذلك بعد الإسلام فكان الفرق أن ذاك كان ملتزما بأيمانه و أمانه أن يفعل شيئا من ذلك فإذا فعله لم يعذر بفعله بخلاف الحربي الأصل و إن في إقامة هذه الحدود عليه زجرا له عن فعل هذه الموبقات كما فيها زجر للمسلم المقيم على إسلامه بخلاف الحربي الأصل فإن ذلك لا يزجره بل هو منفر له عن الإسلام و لأن الحربي الأصل ممتنع و هذان ممكنان
و كذلك قد نص الإمام أحمد على أن الحربي إذا زنى بعد الأسر أقيم عليه الحد لأنه صار في أيدينا كما أن الصحيح عنه و عن أكثر أهل العلم أن المرتد إذا امتنع لم تقم عليه الحدود لأنه صار بمنزلة الحربي إذ الممتنع يفعل هذه الأشياء باعتقاده و قوة من غير زاجر له ففي إقامة الحدود عليهم بعد التوبة تنفير و إغلاق لباب التوبة عليهم و هو بمنزلة تضمين أهل الحرب سواء و ليس هذا موضع استقصاء هنا و إنما نبهنا عليه و إذا كان هذا هنا هكذا فالمرتد و الناقض إذا آذيا الله و رسوله ثم تابا من ذلك بعد القدرة توبة نصوحا كانا بمنزلتهما إذا حربا باليد في قطع الطريق أو زنيا و تابا بعد أخذهما و ثبوت الحد عليهما و لا فرق بينهما و ذلك لأن الناقض للعهد قد كان عهده يحرم عليه هذه الأمور في دينه و إن كان دينه المجرد عن عهد يبيحها له
و كذلك المرتد قد كان يعتقد أن هذه الأمور محرمة فاعتقاده إباحتها إذا لم يتصل به قوة و منعة ليس عذرا له في أن يفعلها لما كان ملتزما له من الدين الحق و لما هو به من الضعف و لما في سقوط الحد عنه من الفساد و إن كان السب صادرا عن غير اعتقاد بل سبه مع اعتقاد نبوته أو سبه بأكبر مما يوجبه اعتقاده أو بغير ما يوجبه اعتقاده فهذا من أعظم الناس كفرا بمنزلة إبليس و هو من نوع العناد أو السفه و هو بمنزلة من شتم بعض المسلمين أو قتلهم و هو يعتقد أن دماءهم و أعراضهم حرام
و قد اختلف الناس في سقوط حق المشتوم بتوبة الشاتم قبل العلم به سواء كان نبيا أو غيره فمن اعتقد أن التوبة لا تسقط حق الآدمي له أن يمنع هنا أن توبة الشاتم في الباطن صحيحة على الإطلاق و له أن يقول: إن للنبي صلى الله عليه و سلم أن يطالب هذا بشتمه مع علمه بأن حرام كسائر المؤمنين لهم أن يطالبوا شاتمهم و سابهم بل ذلك أولى و هذا القول قوي في القياس و كثير من الظواهر يدل عليه
و من قال: [ هذا من باب السب و الغيبة و نحوهما مما يتعلق بأعراض الناس و قد فات الاستحلال فليأت للمشتوم من الدعاء و الاستغفار بما يزن حق عرضه ليكون ما يأخذه المظلوم من حسنات هذا بقدر ما دعا له و استغفر فيسلم له سائر عمله فكذلك من صدرت منه كلمة سب أو شتم فليكثر من الصلاة و التسليم و يقابلها بضدها ] فمن قال: [ إن ذلك يوجب قبول التوبة ظاهرا و باطنا ] أدخله في قوله تعالى: { إن الحسنات يذهبن السيئات } [ هود: 114 ] [ و أتبع السيئة الحسنة تمحها ]
و من قال لابد من القصاص قال: قد أعد له من الحسنات ما يقوم بالقصاص و ليس لنا غرض في تقرير واحد من القولين هنا و إنما الغرض أن الحد لا يسقط بالتوبة لأنه إن كان عن اعتقاد فالتوبة منه صحيحة مسقطة لحق الرسول في الآخرة و هي لا تسقط الحد عنه في الدنيا كما تقدم و إن كانت عن غير اعتقاد ففي سقوط حق الرسول بالتوبة خلاف
فإن قيل [ لا يسقط ] و إن قيل يسقط الحق و لم يسقط الحد كتوبة الأولي و أولى فحاصله أن الكلام في مقامين: أحدهما أن التوبة إذا كانت صحيحة نصوحا فيما بينه و بين الله هل يسقط معها حق المخلوق ؟ و فيه تفضيل و خلاف فإن قيل [ لم يسقط ] فلا كلام و إن قيل [ يسقط ] فسقوط حقه بالتوبة كسقوط حق الله بالتوبة فتكون كالتوبة من سائر أنواع الفساد و تلك التوبة إذا كانت بعد القدرة لم تسقط شيئا من الحدود و إن كانت تجب الإثم في الباطن
و حقيقة هذا الكلام أن قتل الساب ليس لمجرد الردة و مجرد عدم العهد حتى تقبل توبته كغيره بل لردة مغلظ بالضرر و مثله لا يسقط موجبه بالتوبة لأنه من محاربة الله و رسوله و السعي في الأرض فسادا و هو من جنس الزنا و السرقة أو هو من جنس القتل و القذف فهذه حقيقة الجواب و به يتبين الخلل فيما ذكر من الحجة
ثم نبينه مفصلا فنقول: أما قولهم [ إن ما جاء به من الإيمان به ماح لما أتى به من هتك عرضه ] فنقول: إن كان السب مجرد موجب اعتقاد فالتوبة من الاعتقاد توبة من موجبه و أما من زاد على موجب الاعتقاد أو أتى بضده ـ و هم أكثر السابين ـ فقد لا يسلم أن ما يأتي به من التوبة ماح إلا بعد عفوه بل يقال: له المطالبة و إن سلم ذلك فهو كالقسم الأول و هذا القدر لا يسقط الحدود كما تقدم غير مرة
و أما قولهم [ حقوق الأنبياء من حيث النبوة تابعة لحق الله في الوجوب فتبعته في السقوط ] فنقول: هذا مسلم إن كان السب موجب اعتقاد و إلا ففيه الخلاف و أما حقوق الله فلا فرق في باب التوبة بين ما موجبه اعتقاد أو غير اعتقاد فإن التائب من اعتقاد الكفر و موجباته و التائب من الزنا سواء و من لم يسو بينهما قال: ليست أعظم من حق الله إذا لم يسقط في الباطن بسقوطه و لكن الأمر إلى مستحقها: إن شاء جزى و إن شاء عفا و لم يعلم بعد ما يختاره الله سبحانه و قد أعلمنا أنه يغفر لكل من تاب
و أيضا فإن مستحقها من جنس تلحقهم المضرة و المعرة بهذا و يتألمون به فجعل الأمر إليهم و الله سبحانه و تعالى إنما حقه راجع إلى مصلحة المكلف خاصة فإنه لا ينتفع بالطاعة و لا يستضر بالمعصية فإذا عاود المكلف الخير فقد حصل ما أراده ربه منه فلما كان الأنبياء عليهم السلام فيهم نعت البشر و لهم نعت النبوة صار حقهم له نعت حق الله و نعت حق سائر العباد و إنما يكون حقهم مندرجا في حق الله إذا صدر عن اعتقاد فإنهم لما وجب الإيمان بنبوتهم صار كالإيمان بوحدانية الله فإذا لم يعتقد معتقد نبوتهم كان كافرا كما إذا لم يقر بوحدانية الله و صار الكفر بذلك كفرا برسالات الله و دينه و غير ذلك فإذا كان السب موجبا بذا الاعتقاد فقط مثل نفي الرسالة أو النبوة أو نحو ذلك و تاب منه توبة نصوحا قبلت توبته كتوبة المثلث و إذا زاد على ذلك ـ مثل قدح في نسب أو وصف بمساوئ أخلاق أو فاحشة أو غير ذلك مما يعلم هو أنه باطل أو لا يعتقد صحته أو كان مخالفا للاعتقاد مثل أن يحسد أو يتكبر أو يغضب لفوات غرض أو حصول مكروه مع اعتقاد النبوة فيسب ـ فهنا إذا تاب لم يتجدد له اعتقاد أزال موجب السب إنما غير نيته و قصده و هو قد آذاه فهذا السب لم يتألم به البشر و لم يكن معذورا بعدم اعتقاد النبوة فهو لحق الله من حيث جنى على النبوة التي هي السبب الذي بين الله و بين خلقه فوجب قتله و هو كحق البشر من حيث إنه آذى آدميا يعتقد أنه لا يحل أذاه فلذلك كان له أن يطالبه بحق أذاه و أن يأخذ من حسناته بقدر أذاه و ليست له حسنة تزن ذلك إلا ما يضاد السب من الصلاة و التسليم و نحوهما و بهذا يظهر أن التوبة من سب صدر من غير اعتقاد من الحقوق التي تجب للبشر ثم هو حق يتعلق بالنبوة لا محالة فهذا قول القائل و إن كنا لم نرجح واحدا من القولين
ثم إذا كانت حقوقهم تابعة لحق الله فمن الذي يقول: إن حقوق الله تسقط عن المرتد و ناقض العهد بالتوبة ؟ فإنا قد بينا أن هؤلاء تقام عليهم حدود الله بعد التوبة و إنما تسقط بالتوبة عقوبة الردة المجردة و النقض المجرد و هذا ليس كذلك
و أما قوله: [ إن الرسول يدعو الناس إلى الإيمان به و يخبرهم أن الإيمان يمحو الكفر فيكون قد عفا لمن كفر عن حقه ] فنقول: هذا جيد إذا كان السب موجب الاعتقاد لأنه هو الذي اقتضاه و دعاه إلى الإيمان به فإنه من أزال اعتقاد الكفر به باعتقاد الإيمان به زال موجبه أما من زاد على ذلك و سبه بعد أن آمن به أو عاهده فلم يلتزم أن يعفو عنه و قد كان له أن يعفو و له أن لا يعفو
و التقدير المذكور في السؤال إنما يدل على سب أوجبه الاعتقاد ثم زال باعتقاد الإيمان لأنه هو الذي كان يدعو إليه الكفر و قد زال بالإيمان و أما ما سوى ذلك فلا فرق بينه و بين سب الناس من هذه الجهة و ذلك أن الساب إن كان حربيا فلا فرق بين سبه للرسول أو لواحد من الناس من هذه الجهة و إن كان مسلما أو ذميا فإذا سب الرسول سبا لا يوجبه اعتقاده فهو كما لو سب غيره من الناس فإن تجدد الإسلام منه كتجدد التوبة منه يزعه عن هذا الفعل و ينهاه عنه و إن لم يرفع موجبه فإنه موجب هذا السب لم يكن الكفر به إذ كلامنا في سب لا يوجبه الكفر به مثل فرية عليه يعلم أنها فرية و نحو ذلك لكن إذا أسلم الساب فقد عظم في قلبه عظيمة تمنعه أن يفتري عليه كما أنه إذا تاب من سب المسلم عظم الذنب في قلبه عظمة تمنعه من مواقعته و جاز أن لا يكون هذا الإسلام وازعا لكون موجب السب كان شيئا غير الكفر و قد يضعف هذا الإسلام عن دفعه كما يضعف هذه التوبة عن موجب الأذى و فرق بين ارتفاع الأمر بارتفاع سببه أو بوجوده ضده فإن ما أوجبه الاعتقاد إذا زال الاعتقاد زال سببه فلم يخش عوده إلا بعود السبب و ما لم يوجبه الاعتقاد من الفرية و نحوها على النبي عليه الصلاة و السلام و غيره يرفعها الإسلام و التوبة رفع الضد للضد إذ قبح هذا الأمر و سوء عاقبته و العزم الجازم على فعل ضده و تركه ينافي وقوعه لكن لو ضعف هذا الدافع عن مقاومة السبب المقتضي عمل عمله فهذا يبين أنه لا فرق في الحقيقة بين أن يتوب من سب يوجبه مجرد الكفر بالإيمان به الموجب لعدم ذلك السب و بين أن يتوب من سب مسلم بالتوبة الموجبة لعدم ذلك السب
و اعتبر هذا برجل له غرض في أمر فزجر عنه و قيل له: هذا قد حرمه النبي عليه الصلاة و السلام فلا سبيل إليه فحمله فرط الشهوة و قوة الغضب لفوات المطلوب على أن لعن و قبح فيما بينه و بين الله مع أنه لا يشك في النبوة ثم إنه جدد إسلامه و تاب و صلى على النبي صلى الله عليه و سلم و لم يزل باكيا من كلمته و رجل أراد أن يأخذ مال المسلم بغير حق فمنعه منه فلعن و قبح سرا ثم إنه تاب من هذا و استغفر لذلك الرجل و لم يزل خائفا من كلمته أليست توبة هذا من كلمته كتوبة هذا من كلمته ؟ و إن كانت توبة هذا يجب أن تكون أعظم لعظم كلمته لكن نسبة هذه إلى هذه كنسبة هذه إلى هذه بخلاف من إنما يلعن و يقبح من يعتقده كذابا ثم تبين له أنه كان ضالا في ذلك الاعتقاد و كان في مهواة التلف فتاب و رجع من ذلك الاعتقاد توبة مثله فإنه يندرج فبه جميع ما أوجبه
و مما يقرر هذا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا بلغه سب مرتد أو معاهد سئل أن يعفو عنه بعد الإسلام و دلت سيرته على جواز قتله بعد إسلامه و توبته و لو كان مجرد التوبة يغفر لهم بها ما في ضمنها مغفرة تسقط الحد لم يجز ذلك فعلم أنه كان يملك العقوبة على من سبه بعد التوبة كما يملكها غيره من المؤمنين
فهذا الكلام في كون توبة الساب فيما بينه و بين الله هل تسقط حق الرسول أم لا ؟ و بكل حال ـ سواء أسقطت أم لم تسقط ـ لا يقتضي ذلك أن إظهارها مسقط للحد إلا أن يقال: هو مقتول لمحض الردة أو محض نقض العهد فإن توبة المرتد مقبولة و إسلام من جرد نقض العهد مقبول مسقط للقتل
و قد قدمنا فيما مضى بالأدلة القاطعة أن هذا مقتول لردة مغلظة و نقض مغلظ بمنزلة من حارب و سعى في الأرض فسادا
ثم من قال: [ يقتل حقا لآدمي ] قال: العقوبة إذا تعلق بها حقان حق لله و حق لآدمي ثم تاب سقط حق الله و بقي حق الآدمي من القود و هذا التائب إذا تاب سقط حق الله و بقي حق الآدمي
و من قال [ يقتل حدا لله ] قال: هو بمنزلة المحارب و قد يسوى بين من سب الله و بين من سب الرسول على ما سيأتي إن شاء الله تعالى
و قولهم في المقدمة الثانية: [ إذا أظهر التوبة وجب أن نقبلها منه ] قلنا: هذا مبني على أن هذه التوبة مقبولة مطلقا و قد تقدم الكلام فيه
ثم الجواب هنا من وجهين: أحدهما: القول بموجب ذلك فإنا نقبل منه هذه التوبة و نحكم بصحة إسلامه كما نقبل توبة القاذف و نحكم بعدالته و نقبل توبة السارق و غيرهم لكن الكلام في سقوط القتل عنه و من تاب بعد القدرة لم يسقط عنه شيء من حقوق العباد إذا قبلنا توبته أن يطهر بإقامة الحد عليه كسائر هؤلاء و ذلك أنا نحن لا ننازع في صحة توبته و مغفرة الله له مطلقا فإن ذلك إلى الله و إنما الكلام في: هل هذه التوبة مسقطة للحد عنه و ليس في الحديث ما يدل على ذلك فإنا قد نقبل إسلامه و توبته و نقيم عليه الحد تطهيرا له و هذا جواب من يقتله حدا محضا مع الحكم بصحة إسلامه
الثاني: أن هذا الحديث في قبول الظاهر إذا لم يثبت خلافه بطريق شرعي و هنا قد ثبت خلافه و هذا جواب من يقتله لزندقته و قد يجيب به من يقتل الذمي أيضا بناء على أنه زنديق في حال العهد فلا يوثق بإسلامه
و أما إسلام الحربي و المرتد و نحوهما ـ عند معاينة القتل ـ فإنما جاز لأنا إنما نقاتلهم لآن يسلموا و لا طريق إلى الإسلام إلا ما يقولونه بألسنتهم فوجب قبول ذلك منهم و إن كانوا في الباطن كاذبين و إلا لوجب قتل كل كافر أسلم أو لم يسلم و لا تكون المقاتلة حتى يسلموا بل يكون القتال دائما و هذا باطل ثم إنه قد يسلم الآن كارها ثم إن الله يحبب إليه الإيمان و يزينه في قلبه كذلك أكثر من يسلم لرغبته في المال و نحوه أو لرهبته من السيف و نحوه و لا دليل يدل على فساد الإسلام إلا كونه مكرها عليه بحق و هذا لا يلتفت إليه
أما هنا فإنما نقتله لما مضى من جرمه من السب كما نقتل الذمي لقتله النفس أو لزناه بمسلمة و كما نقتل المرتد لقتله مسلما و لقطعه الطريق كما تقدم تقريره فليس مقصودنا بإرادة قتله أن يسلم و لا تجب مقاتلته على أن يسلم بل نحن نقتله جزاء له على ما آذانا و نكالا لأمثاله عن مثل هذه الجريمة فإذا أسلم فإن صححنا إسلامه لم يمنع ذلك وجوب قتله كالمحارب المرتد أو الناقض إذا أسلم بعد القدرة و قد قتل فإنه يقتل وفاقا فيما علمناه و إن حكم بصحة إسلامه و إن لم يصحح إسلامه فالفرق بينه و بين الحربي و المرتد من وجهين:
أحدهما: أن الحربي و المرتد لم يتقدم منه ما دل على أن باطنه بخلاف ظاهره بل إظهاره للردة لما ارتد دليل على أن ما يظهره من الإسلام صحيح و هذا مازال مظهرا للإسلام و قد أظهر ما دل على فساد عقده فلم يوثق بما يظهره من الإسلام بعد ذلك و كذلك ناقض العهد قد عاهدنا على أن لا يسب و قد سب فثبتت جنايته و غدره فإذا أظهر الإسلام بعد أن أخذ ليقتل كان أولى أن يخوف و يغدر فإنه كان ممنوعا من إظهاره و إسراره ؟ و لم يكن له غدر فيما فعله من السب بل كان محرما عليه في دينه فإذا لم يف به صار من المنافقين في العهد
الثاني: أن الحربي أو المرتد نحن نطلب منه أن يسلم فإذا أعطانا ما أردناه بحسب قدرته وجب قبوله منه و الحكم بصحته و الساب لا نطلب منه إلا القتل عينا فإذا أسلم ظهر إنما أسلم ليدرأ عن نفسه القتل الواجب عليه كما إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه أو سلم أو تاب سائر الحياة بعد أخذهم فلا يكون الظاهر صحة هذا الإسلام فلا يسقط ما وجب من الحد قبله
و حقيقة الأمر أن الحربي أو المرتد يقتل لكفر حاضر و يقاتل ليسلم فلا يمكن أن يظهر و هو مقاتل أو مأخوذ الإسلام إلا مكرها فوجب قبوله منه إذ لا يمكن بذله إلا هكذا و هذا الساب و الناقض لم يقتل لمقامه على الكفر أو كونه بمنزلة سائر الكفار غير المعاهدين لما ذكرناه من الأدلة الدالة على أن السب مؤثر في قتله و يكون قد بذل التوبة التي لن تطلب منه في حال الأخذ للعقوبة فلا تقبل منه
و على هذين المأخذين ينبني الحكم بصحة إسلام هذا الساب في هذه الحال مع القول بوجوب قتله:
أحدهما: لا يحكم بصحة إسلامه و هو مقتضى قول ابن القاسم وغيره من المالكية
و الثاني: يحكم بصحة إسلامه و عليه يدل كلام الإمام أحمد و أصحابه في الذمي مع وجوب إقامة الحد و أما المسلم إذا سب ثم قتل بعد أن أسلم فمن قال [ يقتل عقوبة على السب لكونه حق آدمي أو حدا محضا لله ] قال بصحة هذا الإسلام و قبله و هذا قول كثير من أصحابنا و غيرهم و قول من قال يقتل من أصحاب الشافعي
و كذلك من قال: [ يقتل من سب الله ] و من قال [ يقتل لزندقته ] أجرى عليه ـ إذا قتل بعد إظهار الإسلام ـ أحكام الزنادقة و هو قول كثير من المالكية و عليه يدل كلام بعض أصحابنا و على ذلك ينبني الجواب عما احتج به من قبول النبي صلى الله عليه و سلم ظاهر الإسلام من المنافقين فإن الحجة إما أن تكون في قبول ظاهر الإسلام في الجملة فهذا لا حجة فيه من أربعة أوجه قد تقدم ذكرها
أحدها: أن الإسلام إنما قبل منهم حيث لم يثبت عنهم خلافه و كانوا ينكرون أنهم تكلموا بخلافه فأما أن البينة تقوم عند رسول الله عليه الصلاة و السلام على كفر رجل بعينه فيكف عنه فهذا لم يقع قط إلا أن يكون في بادئ الأمر
و الثاني: أنه كان في أول الأمر مأمورا في مبادئ الأمر أن يدع أذاهم و يصبر عليهم لمصلحة التأليف و خشية التنفير إلى أن نسخ ذلك بقوله تعالى: { جاهد الكفار و المنافقين و اغلظ عليهم } [ التوبة: 73 ]
الثالث: أنا نقول بموجبه فنقبل من هذا الإسلام و نقيم عليه حد السب كما لو أتى حدا غيره و هذا جواب من يصحح إسلامه و يقتله حدا لفساد السب
الرابع: أن النبي عليه الصلاة و السلام لم يستتب أحدا منهم و يعرضه على السيف ليتوب من مقالة صدرت منه مع أن هذا مجمع على وجوبه فإن الرجل منهم إذا شهد عليه الكفر و الزندقة فإما أن يقتل عينا أو يستتاب فإن لم يتب و إلا قتل
و أما الاكتفاء منه بمجرد الجحود فما أعلم به قائلا بل أقل ما قيل فيه أنه يكتفى منهم بالنطق بالشهادتين و التبري من تلك المقالة فإذا لم تكن السيرة في المنافقين كانت هكذا علم أن ترك هذا الحكم لفوات شرطه ـ و هو إما ثبوت النفاق أو العجز عن إقامة الحد أو مصلحة التأليف في حال الضعف ـ حتى قوي الدين فنسخ ذلك
و إن كان الاحتجاج بقبول ظاهر الإسلام ممن سب فعنه جواب خامس و هو أنه صلى الله عليه و سلم كان له أن يعفو عمن شتمه في حياته و ليس هذا العفو لأحد من الناس بعده
و أما تسمية الصحابة الساب غادرا محاربا فهو بيان لحل دمه و ليس كل من نقض العهد و حارب سقط القتل عنه بإسلامه بدليل ما لو قتل مسلما أو قطع الطريق عليه أو زنى بمسلمة بل تسميته محاربا ـ مع كون السب فسادا ـ يوجب دخوله في حكم الآية كما تقدم
و أما الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و سبوه ثم عفا عنهم فالجواب عن ذلك كله قد تقدم في المسألة الأولى لما ذكرنا قصصهم و بينا أن السب غلب فيه حق الرسول إذا علم فله أن يعفو و أن ينتقم [ و ليس في ] هؤلاء ما يدل على أن العقوبة إنما سقطت عنهم مع عفوه و صفحه لمن تأمل أحوالهم معه و التفريق بينهم و بين من لم يهجه و لم يسبه
و أيضا فهؤلاء كانوا محاربين و الحربي لا يؤخذ بما أصابه من المسلمين من دم أو مال أو عرض و المسلم و المعاهد يؤخذ بذلك