فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 322

فإذا نقض الذمي العهد ببعضها و هو في قبضة الإسلام ـ مثل أن يزني بمسلمة أو يتجسس للكفار ـ فالمنصوص عن الإمام أحمد أنه يقتل قال في رواية حنبل: [ كل من نقض العهد أو أحداث في الإسلام حدثا مثل هذا ـ يعني سب النبي صلى الله عليه و سلم ـ رأيت عليه القتل ليس على هذا أعطوا العهد و الذمة ]

فقد نص على أن من نقض العهد و أتى بمفسده مما ينقض العهد قتل عينا و قد تقدمت نصوصه أن من لم يوجد منه إلا نقض العهد بالامتناع فإنه كالحربي

و قال في مواضع متعددة في ذمي فجر بامرأة مسلمة: يقتل ليس على هذا صولحوا و المرأة إن كانت طاوعته أقيم عليها الحد و أن كان استكرهها فلا شيء عليها

و قال في يهودي زنى بمسلمة: يقتل: لأن عمر رضي الله عنه أتى بيهودي نخس بمسلمة ثم غشيها فقتله فالزنى أشد من نقض العهد قيل: فعبد نصراني زنى بمسلمة قال: يقتل أيضا و إن كان عبدا

و قال في مجوسى فجر بمسلمة: يقتل هذا قد نقض العهد و كذلك إن كان من أهل الكتاب يقتل أيضا قد صلب عمر رجلا من اليهود فجر بمسلمة هذا نقض العهد فقيل له: ترى عليه الصلب مع القتل ؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر كأنه لم يعب عليه

و قال مهنا: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بامرأة مسلمة: ما يصنع به ؟ قال: يقتل فأعدت عليه قال: يقتل قلت: إن الناس يقولون غير هذا قال: كيف يقولون ؟ فقلت: يقولون عليه الحد قال: لا و لكن يقتل فقلت له: في هذا شيء ؟ قال: نعم عن عمر أنه أمر بقتله

و قال في رواية جماعة من أصحابه في ذمي فجر بمسلمة: يقتل قيل: فإن أسلم قال: يقتل هذا قد وجب عليه

فقد نص رحمه الله على وجوب قتله بكل حال سواء كان محصنا أو غير محصن و أن القتل واجب عليه و إن أسلم و أنه لا يقام عليه حد الزنا الذي يفرق فيه بين المحصن و غير المحصن و اتبع في ذلك ما رواه خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي عن عوف بن مالك أن رجلا نخس بامرأة فتجللها فأمر به عمر فقتل و صلب و رواه المروزي عن مجالد عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن رجلا من أهل الذمة نخس بامرأة من المسلمين بالشام و هي على حمار فصرعها و ألقى نفسه عليها فرآه عوف بن مالك فضربه فشجه فانطلق إلى عمر يشكو عوفا فأتى عوف عمر فحدثه فأرسل إلى المرأة يسألها فصدقت عوفا فقال: قد شهدت أختنا فأمرنا به عمر فصلب قال: فكان أول مصلوب في الإسلام ثم قال عمر: أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد صلى الله عليه و سلم و لا تظلموهم فمن فعل هذا فلا ذمة له

و روى سيف في الفتوح هذه القصة عن عوف بن مالك مبسوطة و ذكر فيها أن الحمار صرع المرأة و أن النبطي أرداها فامتنعت و استغاثت قال عوف:

فأخذت عصاي فمشيت في أثره فأدركته فضربت رأسه ضربة ذا عجر و رجعت إلى منزلي و فيه: [ فقال للنبطي: اصدقني فأخبره ]

و قال الإمام أحمد أيضا في الجاسوس: إذا كان ذميا قد نقض العهد يقتل و قال في الراهب: لا يقتل و لا يؤذى و لا يسأل عن شيء إلا أن نعلم منه أنه يدل على عوارت المسلمين و يخبر عن أمرهم عدوهم فيستحل حينئذ دمه

و قد نص الإمام أحمد على أنه من نقض العهد بسب الله أو رسوله فإنه يقتل

ثم اختلف أصحابنا بعد ذلك فقال القاضي و أكثر أصحابه مثل أبيه أبي الحسين و الشريف أبي جعفر و أبي المواهب العبكري و ابن عقيل و غيره و طوائف بعدهم: [ إن من نقض العهد بهذه الأشياء و غيرها فحكمه حكم الأسير يخير الإمام فيه كما يخير في الأسير بين القتل و المن و الاسترقاق و الفداء و عليه أن يختار من الأربعة ما هو الأصلح للمسلمين ] قال القاضي في المجرد: [ إذا قلنا قد انتقض عهده فانا نستوفي منه الحقوق و القتل و الحد و التعزير لأن عقد الذمة على أن تجري أحكامنا عليه و هذه أحكامنا فإذا استوفينا منه فالإمام مخير فيه بين القتل و الاسترقاق و لا يرد إلى مأمنه لأنه بفعل هذه الأشياء قد نقض العهد و إذا نقض عاد بمعناه الأول فكأنه وجد نصراني بدار الإسلام ]

ثم إن القاضي في الخلاف قال:[ حكم ناقض العهد حكم الأسير الحربي يتخير الإمام فيه بين أربعة أشياء: القتل و الاسترقاق و المن و الفداء لأن الإمام أحمد قد نص في الأسير على الخيار بين أربعة أشياء و حكم الأسير لأنه كافر حصل في أيدينا بغير أمان قال: و يحمل كلام الإمام أحمد إذا رآه الإمام صلاحا و استثنى في الخلاف و هو الذي صنفه آخرا ساب النبي صلى الله عليه و سلم خاصة قال: فإنه لا يقبل توبته و يتحتم قتله و لا يخير الإمام في قتله و تركه لأن قذف النبي صلى الله عليه و سلم حق لميت فلا يسقط بالتوبة كقذف الآدمي

و قد يستدل لهؤلاء من المذهب بعموم كلام الإمام أحمد و تعليله حيث قال في قوم من أهل العهد نقضوا العهد و خرجوا بالذرية إلى دار الحرب فبعث في طلبهم فلحقوهم فحاربوهم قال: [ إذا نقضوا العهد فمن كان منهم بالغا فيجري عليه ما يجرى على أهل الحرب من الأحكام إذا أسروا فأمرهم إلى الإمام يحكم فيهم بما يرى ] و على هذا نقول: فللامام أن يعيدهم إلى الذمة إذا رأى المصلحة في ذلك كما له مثل ذلك في الأسير الحربي الأصلي

و هذا القول في الجملة هو الصحيح من قولي الإمام الشافعي و القول الآخر للشافعي أن من نقض العهد من هؤلاء يرد إلى مأمنه ثم من أصحابه من استثنى سب رسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة فجعله موجبا للقتل حتما دون غيره و منهم من عمم الحكم هذا هو الذي ذكره أصحابه و أما لفظه فإنه قال في الأم:[ إذا أراد الإمام أن يكتب كتاب صلح على الجزية كتب و ذكر الشروط إلى أن قال: و على أن أحدا منكم إن ذكر محمدا صلى الله عليه و سلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به فقد برئت منه ذمة الله ثم ذمة أمير المؤمنين و جميع المسلمين و نقض ما أعطي من الأمان و حل لأمير المؤمنين ماله و دمه كما يحل أموال أهل الحرب و دماؤهم و على أن أحدا من رجالهم إن أصاب مسلمة بزنى أو اسم نكاح أو قطع الطريق على مسلم أو فتن مسلما عن دينه أو أعان المحاربين على المسلمين بقتال أو دلالة على عورات المسلمين أو إيواء لعيونهم فقد نقض عهده و أحل دمه و ماله و إن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم

ثم قال: [ فهذه الشروط اللازمة إن رضيها فإن لم يرضها فلا عقد له و لا جزية ]

ثم قال: [ و أيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد و أسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا و كذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل حدا أو قصاصا فيقتل بحد أو قصاص لا نقض عهد و إن فعل مما وصفنا و شرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم ] و لكنه قال [ أتوب و أعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده ] عوقب و لم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص أو الحد فأما ما دون هذا من الفعل أو القول فكل قول يعاقب عليه و لا يقتل ]

قال: فإن فعل أو قال ما وصفنا و شرط أن يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول [ أسلم أو أعطى جزية قتل و أخذ ماله فيئا ]

و هذا اللفظ يعطي وجوب قتله إذا امتنع من الإسلام و العود إلى الذمة

و سلك أبو الخطاب في: الهداية و الحلواني و كثير من متأخري أصحابنا مسلك المتقدمين في إقرار نصوص الإمام أحمد بحالها و هو الصواب فإن الإمام أحمد قد نص على القتل عينا فيمن زنى بمسلمة حتى بعد الإسلام و جعل هذا أشد من نقض العهد باللحاق و دار الحرب ثم إنه نص هناك على أن الأمر إلى الإمام كالأسير و نص هنا على أن الإمام يخير أن يقتل و لا يخفى لمن تأمل نصوصه أن القول بالتخيير مطلقا مخالف لها

و أما أبو حنيفة فلا تجيء هذه المسألة على أصله لأنه لا ينتقض عهد أهل الذمة عنده إلا أن يكونوا أهل شوكة و منعة فيمتنعون بذلك على الإمام و لا يمكنه إجراء أحكامنا عليهم

و مذهب مالك لا ينتقض عهدهم إلا أن يخرجوا ممتنعين منا ما نعين للجزية من غير ظلم أو يلحقوا بدار الحرب و لكن مالكا يوجب قتل ساب الرسول صلى الله عليه و سلم عينا و قال: إذا استكره الذمي مسلمة على الزنا قتل إن كانت حرة و إن كانت أمة عوقب العقوبة الشديدة فمذهبه إيجاب القتل عينا لبعض أهل الذمة الذين يفعلون ما فيه ضرر على المسلمين فمن قال [ إنه يرد إلى مأمنه ] قال: لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله حتى يرد إلى مأمنه كما لو دخلها بأمان صبي و هذا ضعيف جدا لأن الله قال في كتابه: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } الآية [ التوبة: 13 ]

فهذه الآية و إن كانت نزلت في أهل الهدنة فعمومها لفظا و معنى يتناول كل ذي عهد على ما لا يخفى و قد أمر سبحانه بالمقاتلة حيث وجدناهم فعم ذلك مأمنهم و غير مأمنهم و لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون فمتى لم يعطوا الجزية أو لم يكونوا صاغرين جاز قتالهم من غير شرط على معنى الآية و لأنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتل من رأوه من رجال يهود صبيحة قتل ابن الأشرف و كانوا معه معاهدين و لم يأمر بردهم إلى مأمنهم

و كذلك لما نقضت بنو قينقاع العهد قاتلهم ولم يردهم إلى مأمنهم و لما نقضت بنو قريظة العهد قالتهم و أسرهم و لم يبلغهم مأمنهم و كذلك كعب بن الأشرف نفسه أمر بقتله غيلة و لم يشعره أنه يريد قتله فضلا عن أن يبلغه مأمنه و كذلك بنو النضير أجلاهم على أن لا ينقلوا إلا ما حملته الإبل إلا الحلقة و ليس هذا بإبلاغ للمأمن لأن من بلغ مأمنه يؤمن على نفسه و أهله و ماله حتى يبلغ مأمنه

و كذلك سلام بن أبي الحقيق و غيره من يهود لما نقضوا العهد قتلهم نوبة خبير و لم يبلغهم مأمنهم و لأنه قد ثبت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عمر و أبا عبيدة و معاذ بن جبل و عوف بن مالك قتلوا النصراني الذي أراد أن يفجر بالمسلمة و صلبوه و لم ينكره منكر فصار إجماعا و لم يردوه إلى مأمنه و لأن في شروط عمر التي شرطها على النصارى [ فإن نحن خالفنا عن شيء شرطناه لكم و ضمناه على أنفسنا فلا لنا و قد حل لكم منا ما حل لأهل المعاندة و الشقاق ] رواه حرب بإسناد صحيح

و قد تقدم عن عمر و غيره من الصحابة مثل أبي بكر و ابن عمر و ابن عباس و خالد بن الوليد و غيرهم رضوان الله تعالى عليهم أنهم قتلوا أو أمروا بقتل ناقض العهد و لم يبلغوه مأمنه و لأن دمه كان مباحا و إنما عصمته الذمة فمتى ارتفعت الذمة بقي على الإباحة و لأن الكافر لو دخل دار الإسلام بغير أمان و حصل في أيدينا جاز قتله في دارنا و أما من دخل بأمان صبي فإنما ذلك لأنه يعتقد أنه مستأمن فصارت له شبهة أمان و ذلك يمنع قتله كمن وطىء فرجا يعتقد أنه حلال لا حد عليه و كذلك ينسب في دخوله دار الإسلام إلى تفريط و أما فإنه ليس له أمان و لا شبهة أمان لأن مجرد حصوله في الدار ليس بشبهة أمان بالاتفاق بل هو مقدم على ما ينقض به العهد مفرط في ذلك عالم أنا لم نصالحه على ذلك فأي عذر له في حقن دمه حتى يلحقه بمأمنه ؟ نعم لو فعل من نواقض العهد مالم يعلم أنه يضرنا ـ مثل أن يذكر الله تعالى أو كتابه أو رسوله بشيء يحسبه جائزا عندنا ـ كان معذورا بذلك فلا ينقض العهد كما تقدم مالم يتقدم إليه كما فعل عمر بقسطنطين النصراني

و أما من قال إنه كالأسير الحربي إذا حصل في أيدينا فقال:[ لأنه كافر حلال الدم حصل في أيدينا و كل من كان كذلك فإنه مأسور فلنا أن نقتله كما قتل النبي صلى الله عليه و سلم عقبة بن أبي معيط و النضر بن الحارث و لنا أن نمن عليه كما من النبي صلى الله عليه و سلم على ثمامة بن أثال الحنفي و على أبي عزة الجمحي و لنا أن نفادي كما فادى النبي صلى الله عليه و سلم بعقيل و غيره و لنا أن نسترقه كما استرق المسلمون خلقا من الأسرى مثل أبي لؤلؤة قاتل عمر و مماليك العباس و غيرهم

أما قتل الأسير و استرقاقه فما أعلم فيه خلافا لكن قد اختلف العلماء في المن عليه و المفاداة هل هو باق أو منسوخ ؟ على ما هو معروف في مواضعه و هذا لأنه إذا نقض العهد عاد كما كان و الحربي الذي لا عهد له إذا قدر عليه جاز قتله و استرقاقه و لأنه ناقض للعهد فجاز قتله و استرقاقه كاللاحق بدار الحرب و المحارب في طائفة ممتنعة إذا أسر بل هذا أولى لأن نقض العهد بذلك متفق عليه فهذا أغلظ فإذا جاز أن يحكم فيه بحكم الأسير ففي هذا أولى نعم إذا انتقض العهد بفعل له عقوبة تخصه ـ مثل أن يقتل مسلما أو يقطع الطريق عليه و نحو ذلك ـ أقيمت عليه تلك العقوبة سواء كانت قتلا أو جلدا ثم إن بقي حيا بعد إقامة حد تللك الجريمة عليه صار كالكافر الحربي الذي لاحد عليه

و من فرق بين سب رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين سائر النواقض قال: لأن هذا حق لرسوله الله صلى الله عليه و سلم و لم يعف عنه فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق و لا بالتوبة كسب غير رسول الله عليه الصلاة و السلام و سيأتي إن شاء الله تعالى تحرير مأخذ السب

و أما من قال إنه يتعين قتله إذا نقضه بما فيه مضرة على المسلمين دون ما إذا لم يوجد منه إلا مجرد اللحاق بدار الحرب و الامتناع عن المسلمين فلأن الله تعالى قال: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم و هموا بإخراج الرسول و هم بدأوكم أول مرة } إلى قوله: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم و يخزهم و ينصركم عليهم و يشف قوم مؤمنين } [ التوبة: 12 ـ 14 ]

فأوجب سبحانه قتال الذين نكثوا العهد و طعنوا في الدين و معلوم أن مجرد نكث العهد موجب للقتال الذي كان واجبا قبل العهد و أوكد فلا بد أن يفيد هذا زيادة توكيد و ما ذاك إلا لأن الكافر الذي ليس بمعاهد يجوز الكف عن قتاله إذا اقتضت المصلحة ذلك إلى وقت فيجوز استرقاقه بخلاف هذا الذي نقض و طعن فإنه يجب قتاله من غير استتابة و كل طائفة وجب قتالها من غير استئناف لفعل يبيح دم آحدها فإنه يجب قتل الواحد منهم إذا فعله و هو في أيدينا كالردة و القتل في المحاربة و الزنا و نحو ذلك بخلاف البغي فإنه لا يبيح دم الطائفة إلا إذا كانت ممتنعة و بخلاف الكفر الذي لا عهد معه فإنه يجوز الاستيفاء بقتل أصحابه في الجملة

و قوله سبحانه: { يعذبهم الله بأيديكم و يخزهم } دليل على أن الله تعالى يريد الانتقام منهم و ذلك لا يحصل من الواحد إلا إذا قتل و لا يحصل إن من عليه أو فودي به أو استرق نعم دلت الآية على أن الطائفة الناقضة الممتنعة يجوز أن يتوب الله على من يشاء منها بعد أن يعذبها و يخزيها بالغلبة لأن ما حاق بهم من العذاب و الخزي يكفي في ردعهم و ردع أمثالهم عما فعلوه من النقض و الطعن أما الواحد فلو لم يقتل بل من عليه لم يكن هناك رادع قوي عن فعله

و أيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما سبى بني قريظة قتل المقاتلة و استرق الذرية إلا امرأة واحدة كانت قد ألقت رحى من فوق الحصن على رجل من المسلمين فقتلها لذلك و حديثها مع عائشة رضي الله عنها معروف ففرق صلى الله عليه و سلم بين من اقتصر على نقض العهد و بين من آذى المسلمين مع ذلك و كان لا يبلغه عن أحد من المعاهدين أنه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله و قد أجلى كثيرا و من على كثير ممن نقض العهد فقط

و أيضا أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عاهدوا أهل الشام من الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا و كذلك مع أهل مصر و مع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين أو زنا بمسلمة و نحو ذلك إلا قتلوه و أمروا بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير فعلم أنهم فرقوا بين النوعين

و أيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بقتل مقيس بن صبابة و عبد الله بن خطل و نحوهما ممن ارتد و جمع إلى ردته قتل مسلم و نحوه من الضرر و مع هذا فقد ارتد في عهد أبي بكر رضي الله عنه خلق كثير و قتلوه من المسلمين عددا بعد الامتناع مثل ما قتل طليحة الأسدي عكاشة بن محصن و غيره و لم يؤخذ أحد منهم بقصاص بعد ذلك فإذا كان المرتد يؤخذ بما أصابه قبل الامتناع من الجنايات و لا يؤخذ بما فعله بعد الامتناع فكذلك الناقض للعهد لأن كليهما خرج عما به دمه: هذا نقض إيمانه و هذا نقض أمانه و إن كان في هذا خلاف بين الفقهاء في المذهب و غيره فإنما قسنا على أصل ثبت بالسنة و إجماع الصحابة نعم المرتد إذا عاد إلى الإسلام عصم دمه إلا من يقتل بمثله المسلم و المعاهد يقتل على ما فعله من الجنايات المضرة بالمسلمين لأنه يصير مباحا بالنقض و لم يعد إلى شيء يعصم دمه فيصير كحربي يغلظ قتله يبين ذلك أن الحربي على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا آذى المسلمين و ضرهم قتله عقوبة له على ذلك و لم يمن عليه بعد القدرة عليه فهذا الذي نقض عهده بضرر المسلمين أولى بذلك

ألا ترى أنه لما من على أبي عزة الجمحي و عاهده أن لا يعين عليه فغدر به ثم قدر عليه بعد ذلك و طلب أن يمن عليه فقال: [ لا تمسح سبلاتك بمكة و تقول: سخرت بمحمد مرتين ] ثم قال: [ لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ] فلما نقض يمينه منعه ذلك من المن عليه لأنه ضره بعد أن كان عاهده على ترك ضراره فكذلك من عاهد من أهل الذمة أنه لا يؤذي المسلمين ثم آذاهم لو أطلقوه للدغوا من جحر واحد مرتين و لمسح المشرك سبلاته و قال: سخرت بهم مرتين

و أيضا فلأنه إذا لحق بدار الحرب و امتنع لم يضر المسلمين و إنما أبطل العقد الذي بينهم و بينه فصار كحربي أصلي أما إذا فعل ما يضر بالمسلمين ـ من مقاتلة أو زنا بمسلمة أو قطع طريق أو حبس أو نحو ذلك ـ فإنه يتعين قتله لأنه لو لم يقتل لخلت هذه المفاسد عن العقوبة عليها و تعطلت حدود هذه الجرائم و مثل هذه الجرائم لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق المسلم فلان لا يجوز العفو عن عقوبتها في حق الذمي أولى و أحرى و لا يجوز أن يقام عليه حدها منفردا كما يقام على من بقيت ذمته الحد لأن صاحبها حربيا و الحربي لا يقام عليه إلا القتل فتعين قتله و صار هذا كالأسير اقتضت المصلحة قتله لعمنا أنه متى أفلت كانت فيه ضرر على المسلمين أكثر من ضرر قتله لا يجوز المن عليه و لا المفاداة به اتفاقا و لأن الواجب في مثل هذا إما القتل أو المن أو الاسترقاق أو الفداء فأما الاسترقاق فإنه أبقى له على ذمته بنحو مما كان فإنه تحت ذمتنا نأخذ منه الجزية بمنزلة العبد و لهذا قال بعض الصحابة لعمر في مسلم قتل ذميا: [ أتقيد عبدك من أخيك ؟ ] بل ربما كان استعباده أنفع له من جعله ذميا و استعباد مثل هذا لا تؤمن عاقبته و سوء مغبته و أما المن عليه و المفاداة به فأبلغ في المفسدة و إعادته إلى الذمة ترك لعقوبته بالكلية فتعين قتله

يوضح ذلك أنا على هذا التقدير لا نعاقبه إذا عاد إلى الذمة إلا بما يعاقب فيه المسلم أو الباقي على ذمته و هذا في الحقيقة يؤول إلى قول من يقول: [ إن العهد لا ينقض بهذه الأشياء ] فلا معنى لجعل هذه الأشياء ناقضة للعهد و إيجاب إعادة أصحابها إلى العهد و أن لا يعاقبوا إذا عادوا إلا بما يعاقب به المسلم

يؤيد ذلك أن هذه الجرائم إذا رفعت العهد و فسخته فلأن يمنع ابتداء بطريق الأولى لأن الدوام أقوى من الابتداء ألا ترى أن العدة و الردة تمنع ابتداء عقد النكاح دون دوامه فأما إن كان وجود هذه المضرات يمنع دوام العقد فمنعه ابتداءه أولى و أحرى و إذا يجز ابتداء عقد الذمة فلأن لا يجوز المن أولى و لأن الله تعالى أمر بقتل جميع المشركين إلا أن المشدود و ثاقه من المحاربين جعل لنا أن نعامله بما نرى و الخارج عن العهد ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه كما أن الخارج عن الدين ليس بمنزلة الذي لم يدخل فيه فإن الذي لم يدخل فيه باق على حاله و الذي خرج من الإيمان و الأمان قد أحدث فسادا فلا يلزم من احتمال الفساد الباقي المستصحب احتمال الفساد المحدث المتجدد لأن الدوام أقوى من الابتداء

يبين ذلك أن كل أسير كان يؤذي المسلمين مع كفره فإن النبي صلى الله عليه و سلم قتله مثل: النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط و مثل أبي عزة الجمحي في المرة الثانية

و أيضا فإنه إذا امتنع بطائفة أو بدار الحرب كان ما يتوقى من ضرره متعلقا بعزه و منتعه كالحربي الأصلي فإذا زالت المنعة بأسره لم يبق منه ما يبقى إلا من جهة كونه كافرا فقط فلا فرق بينه بين غيره أما إذا أضر المسلمين و آذاهم بين ظهرانيهم أو تمرد عليهم بالامتناع مما أوجبته الذمة عليه كان ضرره بنفسه من غير طائفه تمنعه و تنصره فيجب إزهاق نفسه التي لا عصمة لها و هي منشأ للضرر و ينبوع لأذى المسلمين ألا ترى أن الممتنع ليس فيما فعله إغراء للآحاد غير ذوي المنعة بخلاف الواحد فإن فيما يفعله فتح باب الشر فإن لم يعاقب فعل ذلك غيره و غيره و لا عقوبة لمن لا عهد له من الكفار إلا السيف

و أيضا فإن الممتنع منهم قد أمرنا بقتاله إلى أن يعطي الجزية عن يد و هو صاغر و أمرنا بقتاله حتى إذا أثخناه فشدوا الوثاق فكل آية فيها ذكر القتال دخل فيها فينتظمه حكم غيره من الكفار الممتنعين و يجوز إنشاء عقد ثان لهم و استرقاقهم و نحو ذلك أما من فعل جناية انتقض بها عهده و هو في أيدينا فلم يدخل في هذه العمومات لأنه لا يقاتل و إنما يقتل إذ القتال للممتنع و إذا كان أخذ الجزية و المن و الفداء إنما هو لمن قوتل و هذا لم يقاتل فيبقى داخلا في قوله: { فاقتلوا المشركين } غير داخل في آية الجزية و الفداء

و أيضا فإن الممتنع يصير بمنزلة الحربي و الحربي يندرج جميع شأنه تحت الحراب بحيث لو أسلم لم يؤاخذ بضمان شيء من ذلك بخلاف الذي في أيدينا و ذلك أنه ما دام تحت أيدينا في ذمتنا فإنه لا تأويل له في ضرر المسلمين و إيذائهم و أما اللحاق بدار الحرب فقد يكون له معه شبهة في دينه يرى أنه إذا تمكن من الهرب هرب لا سيما و بعض فقهائنا يبيح له ذلك فإذا فعل ذلك بتأويل كان بمنزلة ما يتلفه أهل البغي و العدل حال القتال لا ضمان فيه و ما أتلفوه في غير حال الحرب ضمنته كل طائفة للأخرى فليس حال من تأول فيما فعله من النقض كحال من لم يتأول

و أيضا فإن ما يفعله بالمسلمين من الضرر الذي ينتفض به عهده لابد له من عقوبة لأنه لا يجوز إخلاء الجرائم التي تدعو إليها الطباع من عقوبة زاجرة و شرع الزواجر شاهد لذلك ثم لا يخلو إما أن تكون عقوبنه من جنس عقوبة من يفعل ذلك من مسلم أو ذمي بامرأة ذمية أو دون ذلك أو فوق ذلك و الأول باطل لأنه يلزم أن يكون عقوبة المعصوم و المباح سواء و لأن الذي نقض العهد يستحق العقوبة على كفره و على ما فعله من الضرر الذي نقض به العهد و إنما أخرت عقوبة الكفر لأجل العهد فإذا ارتفع العهد استحق العقوبة على الأمرين و بهذا يظهر الفرق بينه و بين من فعل ذلك و هو معصوم و بين مباح دمه لم يفعل ذلك

لأن هذه المعاصي إذا فعلها المسلم فإنها منجبرة بما يلتزمه من نصر المسلمين و منفعهتهم و موالاتهم فلم يتمحض مضرا للمسلمين لأن فيه منفعة و مضرة و خيرا و شرا بخلاف الذمي فإنه إذا اضر المسلمين تمحض ضررا لزوال العهد الذي هو مظنة منفعته و وجود هذه الأمور المضرة و إذا لم يجز أن يعاقب بمثل ما يعاقب به لمسلم فأن لا يعاقب بما هو دونه أولى و أحرى فوجب أن يعاقب بما هو فوق عقوبة المسلم ثم المسلم يتحتم قتله إذا فعل مثل هذه الأشياء فتحتم عقوبة ناقض العهد أولى لكن يختلفان في جنس العقوبة فهذا عقوبته القتل فيجب أن يتحتم و ذلك عقوبته تارة القتل و تارة القطع و تارة الرجم أو الجلد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت