فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 322

و أيضا فقوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا و رسلي } [ المجادلة 21 ] عقب قوله: { إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين } دليل على أن المحادة مغالبة و معاداة حتى يكون أحد المتحادين غالبا و الآخر مغلوبا و إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم فعلم أن المحاد ليس بمسالم و الغلبة للرسل بالحجة و القهر فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه و من لم يؤمر بالحرب ملك عدوه و هذا أحسن من قول من قال: [ إن الغلبة للمحارب بالنصر و لغير المحارب بالحجة فعلم أن هؤلاء المحادين محاربون مغلوبون ]

و أيضا فإن المحادة من المشاقة لأن المحادة من الحد و الفصل و البينونة و كذلك المشاقة من الشق و هو لهذا المعنى فهما جميعا بمعنى المقاطعة و المفاصلة و لهذا يقال: إنما سميت بذلك لأن كل واحد من المحادين و المتشاقين في حد و شق من الآخر و ذلك يقتضي انقطاع الحبل الذي بين أهل العهد إذا حاد بعضهم بعضا فلا حبل لمحاد لله و لرسوله

و أيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فإن الله سبحانه قال: { فاضربوا فوق الأعناق و اضربوا منهم كل بنان و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب } [ الأنفال: 13 ] فأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم و محادتهم فكل من حاد و شاق يجب أن يفعل به ذلك لوجود العلة

و أيضا فإنه تعالى قال: { و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب النار و ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله } [ الحشر: 4 ] و التعذيب هنا ـ و الله أعلم القتل لأنهم قد عذبوا بما دون ذلك من الإجلاء و أخذ الأموال فيجب تعذيب من شاق الله تعالى و رسوله و من أظهر المحادة فقد شاق الله و رسوله بخلاف من كتمها فإنه ليس بمحاد و لا مشاق

و هذه الطريقة أقوى في الدلالة يقال: هو محاد و إن لم يكن مشاقا و لهذا جعل جزاء المحاد مطلقا أن يكون مكتوبا كما كبت من قبله و أن يكون في الأذلين و جعل جزاء المشاق القتل و التعذيب في الدنيا و لن يكونا مكبوتا كما كبت من قبله في الأذلين إلا لم يمكنه إظهار محادته فعلى هذا تكون المحادة أعم و لهذا ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } الآية [ المجادلة: 22 ] إنها نزلت فيمن قتل [ من ] المسلمين أقاربه في الجهاد و فيمن أراد أن يقتل [ من ] تعرض لرسول الله صلى الله عليه و سلم بالأذى من كافر أو منافق قريب له فعلم أن المحاد يعم المشاق و غيره

و يدل على ذلك أنه قال سبحانه: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم } الآيات إلى قوله { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } و إنما نزلت في المنافقين الذين تولوا اليهود المغضوب عليهم و كان أولئك اليهود أهل عهد من النبي صلى الله عليه و سلم ثم إن الله سبحانه بين أن المؤمنين لا يوادون من حاد الله و رسوله و لا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود و إن كانوا أهل ذمة لأنه سبب النزول و ذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله و رسوله و إن كانوا معاهدين و يدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم و الكافر و إن كان له عهد و ذمة و على هذا التقدير يقال: عوهدوا على أن يظهروا المحادة و لا يعلنوا بها بالإجماع كما تقدم و كما سيأتي فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم مظهرين للمحادة و هؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل و نحوه و عذاب الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت