فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 322

فإن قيل: يجوز أن يكون سبها للنبي صلى الله عليه و سلم بمنزلة قتالها و المرأة إذا قاتلت و كانت معاهدة انتقض عهدها كالرجل إذا فعل ذلك و يجوز أن تكون حينئذ بمنزلة المقاتلة إذا أسرت يتخير الإمام فيها بين أربعة أشياء كما يتخير في الرجل المقاتل إذا أسر

قلنا: الجواب من وجوه:

أحدها: أن المرأة لم يصدر عنها إلا مجرد شتم النبي صلى الله عليه و سلم بحضرة سيدها المسلم و لم تحض أحدا من المشركين للقتال و لا أشارت على الكافر برأي تعين فيه على قتال المسلمين و معلوم أن من لم يقاتل بيده و لا أعان على القتال بلسانه لم يجز أن ينسب إليه القتال بوجه من الوجوه و نحن لا ننكر أن من لا يجوز قتله كالراهب و الأعمى و الشيخ الفاني و المقعد و نحوهم إذا كان لهم رأي في القتال و كلام يعنون به على قتال المسلمين كانوا بمنزلة المقاتلين لكن مجرد سب المرأة لرسول الله صلى الله عليه و سلم عند قوم مسلمين ليس من هذا القبيل و إنما هو أذى لله و لرسوله أبلغ من القتال من بعض الوجوه فلو لم يكن موجبا للقتل لكانت المرأة الكافرة قد قتلت لأنها مقاتلة و هي لم تقاتل و ذلك غير جائز فعلم أنه موجب للقتل و إن لم يكن قتالا و قد يكون قتالا إذا ذكر في معرض الحض على قتال المسلمين و إغراء الكافر بحربهم فأما في هذه الواقعة فلم يكن من القتال المعروف

الجواب الثاني: أنا مسلم أن سب النبي صلى الله عليه و سلم بمنزلة محاربة المسلمين و مقاتلتهم من بعض الوجوه كما كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ـ يعني سب الأنبياء ـ من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر بل هو من أبلغ أنواع الحرب كما تقدم تقريره لكن الجواب نوعان:

أحدهما: ما ينقطع مفسدته بالقتل تارة و بالاستراق أخرى و بالمن أو الفداء أخرى و هو حراب الكافر بالقتال يدا و لسانا فإن الحربي و الحربية المقاتلة إذا أسرا فاسترقا انقطع عن المسلمين ضررهما كما يزول بالقتل و كذلك لو من عليهما رجاء أن يسلما إذا بدت مخائل الإسلام أو رجاء أن يكفا عن الإسلام شر من خلفهما أو فودي بهما فهنا مفسدة المحاربة قد تزول بهذه الأمور

الثاني: ما لا تزول مفسدته إلا بإقامة الحد فيه مثل حراب المسلم أو المعاهد في دار الإسلام بقطع الطريق و نحوه فإن ذلك يتحتم إقامة الحد فيه باتفاق الفقهاء

فهذه الأمة التي كانت تسب النبي صلى الله عليه و سلم قد حاربت في دار الإسلام فإن قيل [ تعاقب بالاستراقاق ] فهي رقيقة لا تغير حالها و إن قيل [ يمن عليها أو يفادى بها ] لم يجز لوجهتين: أحدهما: أنها ملك مسلم و لا يجوز إخراجها عم ملكه مع حياتها

الثاني: أن ذلك إحسان إليها و إزالة للرق عنها فلا يجوز أن يكون جزاء لسبها و حرابها فتعين قتلها

الجواب الثالث: أن مفسدة السلب لا تزول إلا بالقتل لأنها متى استبقيت طمعت هي و غيرها في السب الذي هو من أعظم الفساد في الأرض كقاطع الطريق سواء بخلاف المرأة المقاتلة إذا أسرت فإن مفسدة مقاتلتها قد زالت بأسرها و لا يمكنها مع استرقاتها أن تقاتل و يمكنها أن تظهر السب و الشتم فصار سبها من جنس الجنايات التي توجب العقوبات لا تزول مفسدتها إلا بإقامة الحد فيها و علم أن الذمية التي تسب ليست بمنزلة الحربية التي تقاتل إذا أسرت بل هي بمنزلة الذمية التي الطريق و تزني

الجواب الرابع: أن الحديث فيه حكم و هو القتل و سبب القتل هو السب فيجب إضافة الحكم إلى السبب و الأصل إيجاد الحكم فمن زعم أن السبب حكم آخر احتاج إلى دليل و قياسه على الأسيرة لا يصح لما سيأتي إن شاء الله تعالى

الجواب الخامس: أنها لو كانت بمنزلة الأسيرة لكان النظر فيها للإمام لا يجوز لآحاد الرعية تخير واحدة من الخصال الأربع فيها و من قتلها ضمنها بقيمتها للمسلمين إن كانت فيئا و للغانمين إن كانت مغنما فعلم أن القتل كان واجبا فيها عينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت