و من ذلك أيضا ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا قال: يا رسول الله أعطيت عيينية بن حصن و الأقرع بن حابس مائة مائة من الإبل و تركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة و الأقرع و لكني تألفتهما على إسلامها و وكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ] و قد ذكر بعض أهل المغازي في حديث الأنصار: وددنا أن تعلم من أين هذا أن كان من قبل الله صبرنا و إن كان من رأي رسول الله صلى الله عليه و سلم استعتبيناه
فبهذا تبين أن من وجد منهم جوز أن يكون القسم وقع باجتهاد في المصلحة فأحب أن يعلم الوجه الذي أعطي به غيره و منع هو مع فضله على غيره في الإيمان و الجهاد و غير ذلك
و هذا في بادي الرأي هو الموجب للعطاء و أن النبي صلى الله عليه و سلم يعطيه كما أعطى غيره و هذا معنى قولهم استعتبناه أي طلبنا منه ان يعتبنا أي يزيل عتبنا: إما ببيان الوجه الذي أعطى غيرنا أو بإعطائنا و قد قال صلى الله عليه و سلم: [ ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسول مبشرين و منذرين ] فأحب النبي صلى الله عليه و سلم أن يعذره فيما فعل فبين لهم ذلك فلما تبين لهم الأمر بكوا حتى أخضلوا لحاهم و رضوا حق الرضاء و الكلام المحكي عنهم يدل على أنهم رأوا القسمة وقعت اجتهادا و أنهم أحق بالمال من غيرهم فتعجبوا من إعطاء غيرهم و أرادوا أن يعلموا هل هو وحي أو اجتهاد يتعين اتباعه لأنه المصلحة أو اجتهاد يمكن النبي صلى الله عليه و سلم ان يأخذ بغيره إذا رأى أنه أصلح و إن كان هذا القسم إنما يمكن فيما لم يستقر أمره و يقره عليه به و لهذا قالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم ! ؟ و قالوا: إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم و إن غنائمهم لترد عليهم و في رواية: [ كذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطى الغنائم غيرنا ]