فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 322

و مما يوضح ذلك أن سب النبي صلى الله عليه و سلم تعلق به عدة حقوق: حق الله سبحانه من حيث كفر برسول و عادى أوليائه و بارزه بالمحاربة و من حيث طعن في كتابه و دينه فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة و من حيث طعن في ألوهيته فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل و تكذيبه لله تبارك و تعالى و إنكار لكلامه و أمره و خبره و كثير من صفاته و تعلق حق جميع المؤمنين من هذه الأمة و من غيها من الأمم فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنيانهم و دينهم و آخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا و الآخرة بوساطته و سفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم و آبائهم و أبنائهم و سب جميعهم كما أنه أحب إليهم من أنفسهم و أولادهم و آبائهم و الناس أجمعين و تعلق به حق رسول الله صلى الله عليه و سلم من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذي الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله أكثر مما يؤذيه الضرب بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح و نحوه خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه و علو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا و الآخرة فإن هتك عرضه قد يكون أعظم عنده من قتله لا يقدح عند الناس في نبوته و رسالته و علو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفرة عنه و سوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم و يوجب لهم خسارة الدنيا و الآخرة فكيف يجوز أن يعتقد عاقل أن هذه الجناية بمنزلة ذمي كان في ديار المسلمين فلحق ببلاد الكفار مستوطنا لها مع أن ذلك اللحاق ليس في خصوصه حق لله و لا رسوله و لا لأحد من المسلمين ؟ أكثر ما فيه أن الرجل كان معتصما بحبلنا فخرق تلك العصمة فإنما أضر بنفسه لا بأحد من المؤمنين

فعلم بذلك أن السب فيه من الأذى لله و لرسوله و لعباده المؤمنين ما ليس في الكفر و المحاربة وهذا ظاهر إن شاء الله

إذا ثبت فنقول: هذه الجناية السب موجبها القتل لما تقدم من قوله صلى الله عليه و سلم: [ من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله و رسوله فعلم أن من آذى الله و رسوله ] كان حقه أن يقتل و لما تقدم من إهدار النبي صلى الله عليه و سلم دم المرأة السابة مع أنها لا تقتل لمجرد نقض العهد و لما تقدم من أمره صلى الله عليه و سلم بقتل من كان يسبه مع إمساكه عمن هو بمنزلته في الدين و ندبه الناس في ذلك و الثناء على من سارع في ذلك و لما تقدم من الحديث المرفوع و من أقوال الصحابة رضي الله عنهم أن من سب نبيا قتل و من سب غير نبي جلد

و الذي يختص بهذا الموضع أن تقول: هذه الجناية إما أن يكون موجبها بخصوصها القتل أو الجلد أو لا عقوبة لها بل تدخل عقوبتها في ضمن عقوبة الكفر و الحراب

و قد أبطلنا القسم الثاني أيضا باطل لوجوه:

أحدها: أنه لو كان الأمر كذلك لكان الذمي إذا نقض العهد بسب النبي صلى الله عليه و سلم أن يجلد لسب النبي صلى الله عليه و سلم لأنه حق آدمي ثم يكون كالكافر الحربي يقتل للكفر و معلوم أن هذا خلاف ما دلت عليه السنة و إجماع الصحابة فإنهم اتفقوا على القتل فقط فعلم أن موجب كلا الجنايتين القتل و القتل لا يمكن تعدده و ذلك كان ينبغي أن يجلد المرتد لحق النبي صلى الله عليه و سلم ثم يقتل لردته كمرتد سب بعض المسليمين فإنه يستوفي منه حق الآدمي ثم يقتل ألا ترى أن السارق يقطع لسرقته التي هي حق الله و يرد المال المسروق إذا كان باقيا بالاتفاق و يغرم إن كان تالفا عند أكثر الفقهاء و لا يدخل حق الآدمي في حق الله مع اتحاد السبب ؟

الثاني: أنه لم يكن موجبه القتل و إنما القتل موجب كونه ردة لم يجز للنبي صلى الله عليه و سلم العفو عنه لأن إقامة الحد على المرتد واجبة بالاتفاق لا يجوز العفو عنه فلما عفا عنه النبي صلى الله عليه و سلم في حياته دل على أن السب نفسه يوجب القتل حقا للنبي صلى الله عليه و سلم و يدخل فيه حق الله تعالى و يكون سابه و قاذفه بمنزل الساب غيره و قاذفه قد اجتمع في سبه حقان: حق لله و حق لآدمي فلو أن المسبوب و المقذوف عفا عن حقه لم يعزر القازف و الساب على حق الله بل دخل في العفو كذلك النبي عليه الصلاة و السلام إذا عفا عمن سبه دخل في عفوه عنه حق الله فلم يقتل لكفره كما يعزر ساب غيره لمعصيته مع أن المعصية المجردة عن حق آدمي توجب التعزير

يوضح ذلك أنه قد ثبت أنه كان له أن يقتل من سبه كما في حديث أبي بكر و حديث الذي أمر بقتله لما كذب عليه و حديث الشعبي في قتل الخارجي و كما دلت عليه أحاديث قد تقدم ذكرها و ثبت له أن يعفو عنه كما دل عليه حديث ابن مسعود و أبي سعيد و جابر و عندهم فعلم أن سبه يوجب القتل كما أن سب غيره يوجب الجلد و إن تضمن سبه الكفر بالله كما تضمن سب غيره المعصية لله و يكون الكفر و الحراب نوعين: أحدهما حق لله خالص و الثاني ما فيه حق لله و حق لآدمي كما أن قسمان: أحدهما حق خالص لله و الثاني حق لله و لآدمي فيكون هذا النوع من الكفر و الحراب بمنزلة غيره من الأنواع في استحقاق فاعله القتل و يفارقه في الاستيفاء فإنه إلى الآدمي كما أن المعصية بسب غير النبيين بمنزلة غيرها من المعاصي في استحقاق فاعلها الجلد و يفارق غيرها في أن الاستيفاء فيها إلى الآدمي

يوضح هذا أن الحق على الإنسان قد يكون حقا محصنا لله و هو ما إذا كفر أو عصى على وجه لا يؤذي أحدا من الخلق فهذا إذا وجب فيه حد لم يجز العفو عنه بحال و قد يكون حقا محصنا لآدمي بمنزلة الديون التي تجب للانسان على غيره من ثمن مبيع أو بدل قرص و نحو ذلك من الديون التي تثبت بوجه مباح فهذا لا عقوبة فيه بوجه و إنما يعاقب على الدين إذا امتنع من وفائه و الامتناع معصية و قد يكون حقا لله و لآدمي ـ مثل حد القذف و القود و عقوبة السب نحو ذلك ـ فهذه الأمور فيها العقوبة من الحد و التعزير و الاستيفاء فيهما مفوض إلى اختيار الآدمي: إن أحب استوفى القود و حد القذف و إن شاء عفا فسب النبي صلى الله عليه و سلم لو كان من القسم الثاني لم يكن فيه عقوبة بحال فتعين أن يكون من القسم الثالث و ثبت أن عقوبته القتل فعلم أن السب النبي عليه الصلاة و السلام من حيث هو سب له و حق لآدمي عقوبته القتل كما أن سب غيره من حيث هو سب له و حق لآدمي عقوبته الجلد إما حدا أو تعزيزا و هذا معنى صحيح واضح

و سر ذلك أنه إذا اجتمع الحقان فلا بد من عقوبة لأن معصية الله توجب العقوبة إما في الدنيا أو في الآخرة فإذا كان الاستيفاء جعل الله ذلك إلى المستحق من الآدميين لأن الله أغنى الشركاه عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه فهو كله للذي أشرك كذلك من عمل عملا لغيره عقوبة جعل عقوبته كلها الغير و كانت عقوبته على معصية الله تمكين ذلك الإيمان من عقوبته

و تمام هذا المعنى أن يقال: بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم يتعين القتل لأن المستحق لا يمكن منه المطالبة و العفو كما أن من سب أو شتم أحدا من أموات المسليمين عزر على ذلك الفعل لكونه معصية لله و إن كان في حياته لا يؤذي حتى يطلب إذا علم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت