الوجه السادس: أن المحاربة خلاف المسالمة و المسالمة: أن يسلم كل من المتسالمين من أذى الآخر فمن لم تسلم من يده أو لسانه فليس بمسالم لك بل هو محارب
و معلوم أن محاربة الله و رسوله هي المغالبة على خلاف ما أمر الله به و رسوله إذ المحاربة لذات الله و رسوله محال فمن سب الله و رسوله لم يسالم الله و رسوله لأن الرسول لم يسلم منه بل طعنه في رسول الله مغالبة لله و رسوله على خلاف ما أمر الله به على لسان رسوله و قد أفسد في الأرض كما تقدم فيدخل في الآية و قد تقدم في المسألة الأولى أن هذا الساب محاد لله و رسوله مشاق لله تعالى و رسوله و كل من شاق الله و رسوله فقد حارب الله و رسوله لأن المحاربة و المشاقة سواء فإن الحرب هو الشق و منه سمي المحراب محرابا و أما كونه مفسدا في الأرض فظاهر
و اعلم أن كل ما دل على أن السب نقض للعهد فقد دل على أنه محاربة لله و رسوله لأن حقيقة نقض العهد أن يعود الذمي محاربا فلو لم يكن بالسب يعود محاربا لما كان ناقضا للعهد و قد قدمنا في ذلك من الكلام ما لا يليق إعادته لما فيه من الإطالة فليراجع ما مضى في هذا الموضع فبقي أنه سعى في الأرض فسادا و هذا أوضح من أن يحتاج إلى دليل فإن إظهار كلمة الكفر و الطعن في المرسلين و القدح في كتاب الله و دينه و رسوله و كل سب بينه و بين خلقه لا يكون [ شيء ] أشد منه فسادا و عامة الآي في كتاب الله التي تنهى عن الإفساد في الأرض فإن من أكثر المراد بها الطعن في الأنبياء كقوله سبحانه عن المنافقين الذين يخادعون الله و الذين آمنوا: { و إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون } قال تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون } [ البقرة: 12 ] و إنما كان إفسادهم نفاقهم و كفرهم و قوله: { لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف: 56 ] و قوله سبحانه: { و الله لا يحب الفساد } [ البقرة: 205 ] و قوله: { و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين } [ الأعراف: 142 ] و إذا كان هذا محاربا لله و رسوله ساعيا في الأرض فسادا تناولته الآية و شملته
و مما يقرر الدلالة من الآية أن الناس فيها قسمان: منهم من يجعلها مخصوصة بالكفار من مرتد و ناقص عهد و نحوهما و منهم من يجعلها عامة في المسلم المقيم على إسلامه و في غيره و لا أعلم أحدا خصها بالمسلم المقيم على إسلامه فتخصيصها به خلاف الإجماع ثم الذين قالوا إنها عامة قال كثير منهم قتادة و غيره: قوله: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } [ المائدة: 34 ] هذه لأهل الشرك خاصة فمن أصاب من المشركين شيئا من المسلمين و هو لهم حرب فأخذ مالا أو أصاب دما ثم مات من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى لكن المسلم المقيم على إسلامه محاربته إنما هي باليد لأن لسانه موافق مسالم للمسلمين غير محارب أما المرتد و الناقض للعهد فمحاربته تارة باليد و باللسان أخرى و من زعم أن اللسان لا تقع به محاربة فالأدلة المتقدمة في أول المسألة ـ مع ما ذكرناه هنا ـ تدل على أنه محاربة على أن الكلام في هذا المقام إنما هو بعد أن تقرر أن السب محاربة و نقض للعهد
و اعلم أن هذه الآية آية جامعة لأنواع من المفسدين و الدلالة منها هنا ظاهرة قوية لمن تأملها لا أعلم شيئا يدفعها
فإن قيل: مما يدل على أن المحاربة هنا باليد فقط أنه قال: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } [ المائدة: 34 ] و إنما يكون هذا فيمن كان ممتنعا و الشاتم ليس ممتنعا
قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن المستثنى إذا كان ممتنعا لم يلزم أن يكون المستبقى ممتنعا لجوز أن تكون الآية تعم كل محارب بيد أو لسان ثم استثنى منهم الممتنع إذا تاب قبل القدرة فيبقى المقدور عليه مطلقا و الممتنع إذا تاب بعد القدرة