فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 322

و من ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له صلى الله عليه و سلم: [ اسق يا زبير ثم سرح إلى جارك ] فقال: أن كان ابن عمتك ؟

و حديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر فقتله

و لهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: جيراني على ماذا أخذوا فأعرض عنه النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الغي و تستخلي به فقال: [ لئن كنت أفعل ذلك إنه لعلي و ما هو عليهم خلوا له جيرانه ] رواه أبو داود بإسناد صحيح

فهذا و إن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه و إيذاءه بذلك و لم يحكه على وجه الرد على من قاله و هذا من أنواع السب

و مثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قال: ابتاع رسول الله صلى الله عليه و سلم جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزلة فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: [ يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة و نحن نرى أنه عندنا فلم نجده ] فقال الأعرابي: و اعذراه و اعذراه فوكزه الناس و قالوا: لرسول الله صلى الله عليه و سلم تقول هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ دعوه ] رواه ابن أبي عاصم و ابن حبان في الدلائل

فهذا الباب كله مما يوجب القتل و يكون به الرجل كافرا حلال الدم كان النبي صلى الله عليه و سلم و غيره من الأنبياء يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى: { خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] و كقوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن } [ المؤمنين: 96 ] و قوله تعالى: { و لا تستوي الحسنة و لا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك و بينه عداوة كأنه ولي حميم و ما يلقاها إلا الذين صبروا و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } [ فصلت: 35 ] و كقوله تعالى: { و لو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر } [ آل عمران: 159 ] و كقوله تعالى: { و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم } [ الأحزاب: 48 ]

و ذلك لأن درجة الحلم و الصبر على الأذى و العفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا و الآخرة يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام و القيام قال تعالى: { و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين } [ آل عمران: 134 ] و قال تعالى: { و جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله } [ الشورى: 40 ] و قال تعالى: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا } [ النساء: 149 ] و قال تعالى: { و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين } [ النحل: 126 ]

و الأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة ثم إن الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم و أحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس و معالجتهم و تغيير ما كانوا عليه من العادات و هو أمر لم يأت به أحد إلا عودي فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربا إن كان ذا عهد و مرتدا أو منافقا إن كان ممن يظهر الإسلام و النوع و وسع عليهم ذلك لما فيه من حق الآدمي تغليبا لحق الآدمي على حق الله كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل و القاذف و هم أولى لما في جواز عفو الأنبياء و نحوهم من المصالح العظيمة المتعلقة بالنبي و بالأمة و بالدين و هذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: [ ما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم بيده خادما و لا امرأة و لا دابة و لا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله و لا انتقم لنفسه قط ] و في لفظ: [ ما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ] متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت