فأما من سب أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ من أهل بيته و غيرهم ـ فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب نكالا و توقفت عن قتله و كفره
قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال: القتل أجبن عنه و لكن أضربه ضربا نكالا
و قال عبد الله: سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال: أرى أن يضرب قلت له: حد فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب و قال: ما أراه على الإسلام
و قال: سألت أبي: من الرافضة ؟ فقال: الذين يشتمون ـ أو يسبون ـ أبا بكر و عمر رضي الله عنها
و قال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الإصطخري و غيره: و خير الأمة بعد النبي صلى الله عليه و سلم أبو بكر و عمر بعد أبي بكر و عثمان بعد عمر و علي بعد عثمان و وقف قوم و هم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم و لا يطعن على أحد منهم بعيب و لا نقض فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه و عقوبته و ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه و يستتيبه فإن تاب قبل منه و إن ثبت أعاد عليه العقوبة و خلده في الحبس حتى يموت أو يراجع
و حكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم و حكاه الكرماني عنه و عن إسحاق و الحميدي و سعيد بن منصور و غيرهم
و قال الميموني: سمعت أحمد يقول: مالهم و لمعاوية ؟ نسأل الله العافية و قال لي: يا أبا الحسن إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بسوء فاتهمه على الإسلام
فقد نص رضي الله عنه على وجوب تعزيره و استتابته حتى يرجع بالجلد و إن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع و قال: [ ما أراه على الإسلام ] و قال: [ واتهمه على الإسلام ] و قال: أجبن عن قتله
و قال إسحاق بن راهوية: [ من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يعاقب و يحبس ]
و هذا قول كثير من أصحابنا منهم ابن أبي موسى قال: [ و من سب السلف نمن الروافض فليس بكفؤ و لا يزوج و من رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين و لم ينعقد له نكاح على مسلمة إلا أن يتوب و يظهر توبته ] و هذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز و عاصم الأحول و غيرهما من التابعين
قال الحارث بن عتبة: إن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان فقال: ما حملك على أن سببته ؟ قال: أبغضه قال: و إن أبغضت رجلا سببته ؟ قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطا
و قال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا رجلا شتم معاوية فضربه أسواطا رواهما اللالكلئي و قد تقدم عنه أنه كتب في رجل سبه: لا يقتل إلا من سب النبي صلى الله عليه و سلم و لكن أجلده فوق رأسه أسواطا و لول أني رجوت أن ذلك خير له لم أفعل
و روي الإمام أحمد: ثنا أبو معاوية ثنا عاصم الأحول قال: أتيت برجل قد سب عثمان قال: فضربته عشرة أسواط قال: ثم عاد لما قال فضربته عشرة أخرى قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطا
و هو المشهور من مذهب مالك قال مالك: من شتم النبي صلى الله عليه و سلم قتل و من سب أصحابه أدب
و قال عبد الملك بن حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان و البراءة منه أدب أدبا شديدا و من زاد إلى بغض أبي بكر و عمر فالعقوبة عليه أشد و يكرر ضربه و يطال سجنه حتى يموت و لا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه و سلم
و قال ابن المنذر:[ لا أعلم أحدا يوجب قتل من سب من بعد النبي صلى الله عليه و سلم
و قال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلا لذلك لذلك كفر و إن لم يكن مستحلا فسق و لم يكفر سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم
و قد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة و غيرهم بقتل من سب الصحابة و كفر الرافضة
قال محمد بن يوسف الفريابي و سئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر قيل: فيصلى عليه ؟ قال: لا و سأله: كيف يصنع به و هو يقول لا إله إلا الله ؟
قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تراوه في حفرته
و قال أحمد بن يونس: [ لو أن يهوديا ذبح شاة و ذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي و لم آكل ذبيحة الرافضي لأنه مرتد عن الإسلام ]
و كذلك قال أبو بكر بن هاني: لا تؤكل ذبيحة الروافض و القدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد و أهل الذمة يقرون على دينهم و تؤخذ منهم الجزية
و كذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم
و قال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: و الله إن قتلك لقربة إلى الله و ما أمتنع من ذلك إلا بالجواز و في رواية قال: رحمك الله قذفت إنما تقول هذا تمزح قال: لا و الله ما هو بالمزاح و لكنه الجد قال: و سمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم و أرجلكم
و صرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي و عثمان و بكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة و فسقوهم و سبوهم
و قال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج
و لفظ بعضهم و هو الذي نصره القاضي أبو يعلى أنه إن سبهم سبا يقدح في دينهم و عدالتهم كفر بذلك و إن سبهم سبا لا يقدح ـ مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سبا يقصد به غيظه و نحو ذلك ـ لم يكفر
قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة و قال في رواية المروزي: [ من شتم أبا بكر و عمر و عائشة ما أراه على الإسلام ]
قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة و توقف في رواية عبد الله و أبي طالب عن قتله و كمال الحد و إيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره
قال: فيحتمل أن يحمل قوله: [ ما أراه على الإسلام ] إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف و يحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي
قال: و يحتمل قوله: [ ما أراه على الإسلام ] على سب يطعن في عالتهم نحو قوله: ظلموا و فسقوا بعد النبي صلى الله عليه و سلم و أخذوا الأمر بغير حق و يحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله: كان فيهم قلة علم و قلة معرفة بالسياسة و الشجاعة و كان فيهم شح و محبة للدنيا و نحو ذلك قال: و يحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان: إحداهما يكفر و الثانية يفسق و على هذا استقر قول القاضي و غيره حكوا في تكفيرهم روايتن
قال القاضي: و من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها منه كفر بلا خلاف
و نحن نرتب الكلام في فصلين أحدهما: في سبهم مطلقا و الثاني: في تفصيل أحكام الساب