فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 322

و ذلك أن نقول: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا و باطنا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء و سائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول و عمل

و قد قام الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية ـ و هو أحد الأئمة يعدل بالشافعي و أحمد ـ: [ و قد أجمع المسلمون أن من سب نبيا من أنبياء الله أو سب رسول الله عليه الصلاة و السلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافرا بذلك و إن كان مقرا بما أنزل الله ]

و كذلك قال محمد بن سحنون ـ و هو أحد الأئمة من أصحاب مالك و زمنه قريب من هذه الطبقة ـ: [ أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه الصلاة و السلام المنتقض له كافر و الوعيد جار عليه بعذاب الله و حكمه عند الأمة القتل و من شك في كفره و عذابه كفر ]

و قد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل يا ابن كذا و كذا ـ أعنى أنت و من خلقك ـ: هذا مرتد عن الإسلام نضرب عنقه و قال في رواية عبد الله و أبي طالب: [ من شتم النبي عليه الصلاة و السلام قتل و ذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام و لا يشتم مسلم النبي عليه الصلاة و السلام ] فبين أن هذا مرتد و أن المسلم لا يتصور أن يشتم و هو مسلم

و كذلك نقل عن الشافعي أنه سئل عمن هزل بشيء من آيات الله تعالى أنه قال: هو كافر و استدل بقول الله تعالى: { قل: أبا لله و آياته و رسوله كنتم تستهزئون ؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } [ التوبة: 66 ]

و كذلك قال أصحابنا و غيرها: من سب الله كفر سواء كان مازحا أو جادا لهذه الآية و هذا هو الصواب المقطوع به

و قال القاضي أبو يعلى في المعتمد: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحله فإن قال: [ و لم أستحل ذلك ] لم يقبل منه ظاهر الحكم رواية واحدة و كان مرتدا لأن الظاهر خلاف ما أخبر لأنه لا غرض له في سب الله و سب رسوله إلا أنه غير معتقد لعبادته غير مصدق بما جاء به النبي عليه الصلاة و السلام و يفارق الشارب و القاتل و السارق إذا قال: [ أنا غير مستحل لذلك ] أنه يصدق في الحكم لأن له غرضا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاده تحريمها و هو ما يتعجل من اللذة قال: و إذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهر من الحكم فأما في الباطن فإن كان صادقا فيما قال فهو مسلم قلنا في الزنديق: [ لا تقبل توبته في الظاهر الحكم ]

و ذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي عليه الصلاة و السلام إن كان مستحلا كفر و لم يكن مستحلا فسق و لم يكفر كساب الصحابة و هذا نظير ما يحكى أنه بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين فيمن سب النبي عليه الصلاة و السلام أن يجلده حتى أنكر ذلك مالك ورد هذه الفتيا مالك و هو نظير ما حكاه أبو محمد بن حزم أن بعض الناس لم يكفر المستخف به

و قد ذكر القاضي عياض بعد أن رد هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد و حمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به أو أن الفتوى كانت في كلمة اختلف في كونها سبا أو كانت فيمن تاب و ذكر أن الساب إذا أقر بالسب و لم يتب منه قتل كفرا لأن قوله إما صريح كفر كالتكذيب و نحوه أو هو من كلمات الاستهزاء أو الذم فاعترافه بها و ترك توبته منها دليل على استحلاله لذلك و هو كفر أيضا قال: فهذا كافر بلا خلاف و قال في موضع آخر: [ إن من قتله بلا استتابة فهو لم يره ردة و إنما يوجب القتل فيه حدا و إنما نقول ذلك مع انكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع عنه و التوبة و نقتله حدا كالزنديق إذا تاب ] قال: [ و نحن و إن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره بالتوحيد و إنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه ذهولا و معصية و أنه مقلع عن ذلك نادم عليه ] قال و أما من علم أنه سبه معتقدا لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك و كذلك إن كان سبه في نفسه كفرا كتكذيبه أو تكفيره و نحوه فهذا ما لا إشكال فيه و كذلك من لم يظهر التوبة و اعتراف بما شهد به و صمم عليه فهو كافر بقوله و استحلاله هتك حرمة الله أو حرمة نبيه و هذا أيضا تثبيت منه بأن السب يكفر به لأجل استحلاله له إذا لم يكن في نفسه تكذيبا صريحا

و هذا موضع لابد من تحريره و يجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة و هفوة عظيمة و يرحم الله القاضي أبا يعلى قد ذكر في غير موضع ما يناقض ما قاله هنا و إنما وقع من وقع في هذه المهواة بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين ـ و هم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب و إن لم يقترن به قول اللسان و لم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح ـ و صرح القاضي أبو يعلى هنا قال عقب أن ذكر ما حكيناه عنه: [ و على هذا لو قال الكافر: أنا معتقد بقلبي معرفة الله و توحيده لكني لا آتي بالشهادتين كما لا آتي غيرها من العبادات كسلا ] لم يحكم بإسلامه في الظاهر و يحكم به باطنا قال: و قول الإمام أحمد [ من قال إن المعرفة تنفع في القلب من غير أن يتلفظ بها فهو جهمي ] محمول على أحد وجهين أحدهما: أنه جهمي في ظاهر الحكم و الثاني: على أن يمتنع من الشهادتين عنادا لأنه احتج أحمد في ذلك بأن إبليس عرف ربه بقلبه و لم يكن مؤمنا

و معلوم أن إبليس اعتقد أن لا يلزم امتثال أمره تعالى [ بالسجود ] لآدم و قد ذكر القاضي في غير موضع أنه لا يكون مؤمنا حتى يصدق بلسانه مع القدرة و بقلبه و أن الإيمان قول و عمل كما هو مذهب الأئمة كلهم: مالك و سفيان و الأوزاعي و الليث و الشافعي و أحمد و إسحاق و من قبلهم و بعدهم من أعيان الأمة

و ليس الغرض هنا استيفاء الكلام في الأصل و إنما الغرض البينة على ما يختص هذه المسألة و ذلك من وجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت