فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 322

و قولهم: [ الذمي يعتقد حل السب كما يعتقده الحربي و إن لم يعتقد حل الدم و المال ] غلط فإن عقد الذمة منعهم من الطعن في ديننا و أوجب عليهم الكف عن أن يسبوا نبينا كما منعهم دماءنا و أموالنا و أبلغ فهو إن لم يعتقد تحريمه للدين فهو يعتقد تحريمه للعهد كاعتقادنا نحن في دمائهم و أموالهم و أعراضهم و نحن لم نعاهدهم على أن نكف عن سب دينهم الباطل و إظهار معائبهم بل عاهدناهم على أن يظهروا في دارنا ما شئنا و أن يلتزموا جريان أحكامنا عليهم و إلا فأين الصغار ؟

و أما قولهم: [ الذمي إذا سب فإما أن يقتل لكفره و حرابه كما يقتل الحربي الساب أو يقتل حدا من الحدود ] قلنا: هذا تقسيم منتشر بل يقتل لكفره و حرابه بعد الذمة و ليس من حارب بعد الذمة بمنزلة الحربي الأصل فإن الذمي إذا قتل مسلما اجتمع عليه أنه نقض العهد و أنه وجب عليه القود فلو عفا ولي الدم قتل لنقض العهد بهذا الفساد و كذلك سائر الأمور المضرة بالمسلمين يقتل بها الذمي إذا فعلها و ليس حكمه فيها كحكم الحربي الأصل إجماعا و إذا قتل لحرابه و فساده بعد العهد فهو حد من الحدود فلا تنافي بين الوصفين حتى يجعل أحدهما للآخر و قد بينا بالأدلة الواضحة أن قتله ليس لمجرد كونه كافرا غير ذي عهد بل حد أو عقوبة على سب نبينا الذي أوجبت عليه الذمة تركه و الإمساك عنه مع أن السب مستلزم لنقض العهد العاصم لدمه و أنه يصير بالسب محاربا غادرا و ليس هو كحد الزنا و نحوه مما لا مضرة علينا فيه و إنما أشبه الحدود به حد المحاربة

و أما قولهم: [ ليس في السب أكثر من انتهاك العرض و هذا القدر لا يوجب إلا الجلد ] ففي الكلام عنه ثلاثة أجوبة:

أحدها: أن هذا كلام في رأس المسألة فإنه إذا لم يوجب إلا الجلد و الأمور الموجبة للجلد لا تنقض العهد ـ لم ينتقض العهد به كسب بعض المسلمين و قد قدمنا الدلالات التي لا تحل مخالفتها على وجوب قتل الذمي إذا فعل ذلك و أنه لا عهد له يعصم دمه مع ذلك و بينا أن انتهاك عرض عموم المسلمين يوجب الجلد و أما انتهاك عرض الرسول فإنه يوجب القتل و قد صولح على إمساك على العرضين فمتى انتهك عرض الرسول فقد أتى بما يوجب القتل مع التزامه أن لا يفعله فوجب أن يقتل كما لو قطع الطريق أو زنى و التسوية بين عرض الرسول و عرض غيره في مقدار العقوبة من أفسد القياس

و الكلام في الفرق بينهما يعد تكلفا فإنه عرض قد أوجب الله على جميع الخلق أن يقابلوه من الصلاة و السلام و الثناء و المدحة و المحبة و التعظيم و التعزيز و التوقير و التواضع في الكلام و الطاعة للأمر و رعاية الحرمة في أهل البيت و الأصحاب بما لا خفاء به على أحد من علماء المؤمنين عرض به قام دين الله و كتابه و عبادة المؤمنين به وجبت الجنة لقوم و النار لآخرين به كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس عرض قرن الله ذكره بذكره و جمع بينه و بينه في كتابة واحدة و جعل بيعته بيعة له و طاعته طاعة له و أذاه أذى له إلى خصائص لا تحصى و لا يقدر قدرها أفيليق ـ لو لم يكن سبه كفرا ـ أن تجعل عقوبة منتهك هذا العرض كعقوبة منتهك عرض غيره ؟

و لو فرضنا أن لله نبيا بعثه إلى أمة و لم يوجب على أمة أخرى أن يؤمنوا به عموما و لا خصوصا فسبه رجل و لعنه عالما بنبوته إلى أولئك أفيجوز أن يقال: إن عقوبته و عقوبة من سب واحدا من المؤمنين سواء ؟ هذا أفسد من قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا

قولهم: [ الذمي يعتقد حل ذلك ] قلنا: لا نسلم فإن العهد الذي بيننا و بينه حرم عليه في دينه السب كما حرم عليه دماءنا و أموالنا و أعراضنا فهو إذا أظهر السب يدري أنه قد فعل عظيمة من العظائم التي لم نصالحه عليها ثم إن كان يعلم أن عقوبة ذلك عندنا القتل فبها و إلا فلا يجب لآن مرتكب الحدود يكفيه العلم بالتحريم كمن زنى أو سرق أو شرب أو قذف أو قطع الطريق فإنه إذا علم تحريم ذلك عوقب العقوبة المشروعة و إن كان يظن أن لا عقوبة على ذلك و أن عقوبته دون ما هو مشروع 0000 ]

و أيضا فإن دينهم لا يبيح لهم السب و اللعنة للنبي و إن كان دينا باطلا أكثر ما يعتقدون أنه ليس بنبي أو ليس عليهم اتباعه أما أن يعتقدوا أن لعنته و سبه جائزة فكثير منهم أو أكثرهم لا يعتقدون ذلك على أن السب نوعان أحدهما: ما كفروا به و اعتقدوه و الثاني: ما لم يكفروا به فهذا الثاني لا ريب أنهم لا يعتقدون حله

و أما قولهم: [ صولح على ترك ذلك فإنه فعله انتقض العهد ] فإنه إذا فعله انتقض عهده و عوقب على نفس تلك الجريمة و إلا كان يستوي حال من ترك العهد و لحق بدار الحرب من غير أذى لنا و حال من قتل و سرق و قطع الطريق و شتم الرسول مع نقض العهد و هذا لا يجوز

و أما قولهم: [ كون القتل حدا حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ] فصحيح و قد تقدمت الأدلة الشرعية من الكتاب و السنة و الأثر و النظر الدالة على أن نفس السب ـ من حيث خصوصيته ـ موجب للقتل و لم يثبت ذلك استحسانا صرفا و استصلاحا محضا بل أثبتاه بالنصوص و آثار الصحابة و ما دل عليه إيماء الشارع و تنبيهه و بما دل عليه الكتاب و السنة و إجماع الأمة من الخصوصية لهذا السب و الحرمة لهذا العرض التي يوجب أن لا يصونه إلا القتل لا سيما إذا قوي الداعي على انتهاكه و خفة حرمته بخفة عقابه و صغر في القلوب مقدار من هو أعظم العالمين قدرا إذا ساوى في قدر العرض زيدا و عمرا و تمضمض بذكره أعداء الدين من كافر غادر و منافق ماكر فهل يستريب من قلب الشريعة ظهرا لبطن أن محاسنها توجب حفظ هذه الحرمة التي هي أعظم حرمات المخلوقين و حرمتها متعلقة بحرمة رب العالمين بسفك دم واحد من الناس ؟ مع أعظم النظر عن الكفر و الارتداد فإنهما مفسدتان اتحادهما في معنى التعداد و لسنا الأن نتكلم في المصالح المرسلة فإنا لم نحتج إليها في هذه المسألة لما فيها من الأدلة الخاصة الشرعية و إنما ننبه على عظم المصلحة في ذلك بيانا لحكمة الشرع لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقيادا و النفوس إلى ما تطلع على مصلحته أعطش أكبادا ثم لو لم يكن في المسألة نص و لا أثر لكان اجتهاد الرأي يقضي بأن يجعل القتل عقوبة هذا الجرم لخصوصه لا لعموم كونه كفرا أو ردة حتى لو فرض تجرده عن ذلك لكان موجبا للقتل أخذا له من قاعدة العقوبات في الشرع فإنه يجعل أعلى العقوبات في مقابلة أرفع الجنايات و أوسطها في مقابلة أوسطها و أدناها في مقابلة أدناها فهذه الجناية إذا انفردت تمتنع أن تجعل في مقابلة الأذى فتقابل بالجلد أو الحبس تسوية بينها و بين الجناية على عرض زيد و عمرو فإنه لا يخفى على من له أدنى نظر بأسباب الشرع أن هذا من أفسد أنواع الاجتهاد و مثله في الفساد خلوها عن العقوبة تخصها و أما جعله في الأوسط كما اعتقده المهاجر بن أبي أمية حتى قطع يد الجارية السابة و قلع ثنيتها فباطل أيضا كما أنكره عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن الجناية جناية على أشرف الحرمات و لأنه لا مناسبة بينها و بين أوسط العقوبات من قطع عضو من الأعضاء فتعين أن تقابل بأعلى العقوبات و هو القتل

و لو نزلت بنا نازلة السب و ليس معنا فيها أثر يتبع ثم استراب مستريب في الواجب إلحاقها بأعلى الجنايات لما عد من بضراء الفقهاء و مثل هذه المصلحة ليست مرسلة بحيث أن لا يشهد لها الشرع بالاعتبار فإذا فرض أنه ليس لها أصل خاص تلحق به و لابد من الحكم فيها فيجب أن يحكم فيها بما هو أشبه بالأصول الكلية و إذا لم يعمل بالمصلحة لزم العمل بالمفسدة و الله لا يحب الفساد

و لا شك أن العلماء في الجملة ـ من أصحابنا و غيرهم ـ قد يختلفون في هذا الضرب من المصالح إذا لم يكن فيها أثر و لا قياس خاص و الإمام أحمد قد يتوقف في بعض أفرادها مثل قتل الجاسوس المسلم و نحوه إن جعلت من أفرادها و ربما عمل بها و ربما تركها إذا لم يكن معه فيها أثر أو قياس خاص و من تأمل تصاريف الفقهاء علم أنهم يضطرون إلى رعايتها إذا لم يخالف أصلا من الأصول و لم يحالف في اعتبارها الطوائف من أهل الجدل و الكلام من أصحابنا و غيرهم و لو أنهم مخاض الفقهاء لعلموا أنه لابد من اعتبارها و ذوق الفقه ممن لجج فيه شيء و الكلام على حواشيه من غير معرفة أعيان المسائل شيء آخر و أهل الكلام و الجدل إنما يتكلمون في القسم الثاني فيلتزمون غيرهم مالا يقدرون على التزامه و يتكلمون في الفقه كلام من لا يعرف إلا أمور كلية و عمومات إحاطية و للتفاصيل خصوص نظر و دلائل يدركها من عرف أعيان المسائل

و أثبتناه أيضا بالقياس الخاص و هو القياس على كل من ارتد و نقض العهد على وجه يضر المسلمين مضرة فيها العقوبة بالقتل و بينا أن هذا أخص من مجرد الردة و مجرد نقض العهد و أن الأصول فرقت بينهما

و أثبتناه أيضا بالنافي لحقن دمه و بينا أن هذا حل دمه بما فعله و الأدلة العاصمة لمن أسلم من مرتد و ناقض لا تتناوله لفظا و لا معنى

و قولهم: [ القياس في الأسباب لا يصح ] خلاف ما عليه الفقهاء و هو قول باطل قطعا ليس هذا موضع الاستقصاء في ذلك

و قولهم: [ معرفة نوع الحكمة و قدرها متعذر ] قلنا لا نسلم هذا على الإطلاق بل قد يمكن و قد يتعذر بل ربما علم قطعا: لأن الفرع مشتمل على الحكمة الموجودة في الأصل و زيادة

قولهم: [ هو يخرج السبب عن أن يكون سببا ] ليس كذلك فإن سبب السبب لا يمنعه أن يكون سببا و الإضافة إلى السبب لا تقدح في الإضافة إلى سبب السبب و العلم بها ضروري

وأما قولهم: [ ليس في الجنايات الموجبة للقتل حدا ما يجوز إلحاق السب بها ] قلنا بل هو يلحق بالردة المقترنة بما يغلظها و النقض المقترن بما يغلظه و إن الفساد الحاصل في السب أبلغ من الفساد الحاصل بتلك الأمور المغلظة كما تقدم بيانه بشواهده من الأصول الشرعية على أن هذا الحكم مستغن عن أصل يقاس به بل هو أصل في نفسه كما تقدم ثم إن هذا الكلام مقابل بما هو أنور منه بيانا و أبهر منه برهانا و ذلك أن القول بوجوب الكف عن هذا الساب ـ بعد الاتفاق على حل دمه ـ قول لا دليل عليه إلا قياس له على بعض المرتدين و ناقضي العهد مع ظهور الفرق بينهما و من قاس الشيء على ما يخالفه و يفارقه كان قياسه فاسدا فإن جعل هذا سببا عاصما قياس لسبب على سبب مع تباينهما في نوع الحكمة و قدرها ثم إنه إخلاء للسب الذي هو أعظم الجناية على الأعراض من العقوبات و لا عهد لنا بهذا في الشرع فهو إثبات حكم خارج عن القياس و جعل لكونه موجبا للقتل موجبا لكونه أهون من أعراض الناس في باب السقوط و هذا تعليق على العلة ضد مقتضاها و خروج عن موجب الأصول فإن العقوبات لا يكون تغلظها في الوجوب سببا لتخفيفها في السقوط قط لكن إن كان جنسها مما يسقط سقطت خفيفة كانت أو غليظة كحقوق الله في بعض المواضع و لم تسقط خفيفة كانت أو غليظة كحقوق العباد

ثم إن القول باستتابة الساب قول يخالف كتاب الله و يخالف صريح سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و سنة خلفائه و أصحابه و القول بأن لا حق للرسول على الساب إذا أسلم: الذمي أو المسلم و لا عقوبة له عليه قول يخالف المعروف من سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و يخالف أصول الشريعة و يثبت حكما ليس له أصل و لا نظير إلا أن يلحق بما ليس مثلا له

الجواب الثاني: أنا لم ندع أن مجرد السب موجب للقتل و إنما بينا أن كل سب فهو محاربة و نقض للعهد بما يضر المسلمين فيقتل بمجموع الأمرين السب و نقض العهد و لا يجوز أن يقال: خصوص السب عديم التأثير فإن فساد هذا معلوم قطعا بما ذكرناه من الأدلة القاطعة على تأثيره و إذا كان كذلك لم نثبته سببا خارجا عن الأسباب المعهودة و إنما هو مغلظ السبب المعروف و هو الكفر كما أن قتل النفوس موجب لحل دمه ثم إن كان قد قتله في المحاربة تغلظ بحتم القتل و إلا بقي الأمر فيه إلى الأولياء و معلوم أن المقتول من قطاع الطريق لا يقال فيه [ قتل قودا و لا قصاصا ] حتى يرتب عليه أحكام من يجب عليه القود و إنما يضاف القتل إلى خصوص جنايته و هو القتل في المحاربة كذلك هنا الموجب هو خصوص المحاربة

و قولهم: [ الأدلة مترددة بين كون القتل لمجرد المحاربة أو لخصوص السب ] قلنا: هي نصوص في أن السب مؤثر تأثير زائدا على مطلق تأثير الكفر الخالي عن عهد فلا يجوز إهمال خصوصه بعد اعتبار الشرع له و أن يقال: إنما المؤثر مجرد ما في ضمنه و طيه من زوال العهد و لذلك و جب قتل صاحبة عينا من غير تخيير كما قررنا دلالته فيما مضى و إذا كان كذلك فليس مع المخالف ما يدل على أن القتل المباح يسقط بالإسلام و إن كان هذا من فروع الكفر كما أن الذمي إذا استحل دماء المسلمين و أموالهم و أعراضهم فانتهكها لاعتقاده أنهم كفار و أن ذلك حلال لهم منهم ثم أسلم فإنه يعاقب على ذلك: إما بالقتل إن كان فيها ما يوجب القتل أو بغيره

و لذلك لو استحل ذلك ذمي من ذمي ـ مثل أن يقتل نصراني يهوديا أو يأخذ ماله لاعتقاده أن ذلك حلال له أو يقذفه أو يسبه ـ فإنه يعاقب على ذلك عقوبة مثله و إن أسلم

و كذلك لو قطع الطريق على قافلة فيهم مسلمون و معاهدون فقتل بعض أولئك المسلمين أو المعاهدين قتل لأجل ذلك حتما و انتقض عهده و إن أسلم بعد ذلك و إن كان هذا من فروع الكفر فهذا رجل انتقض عهده بأمر يعتقد حله قبل العهد و لو فعله مسلم لم يقتل عند كثير من الفقهاء إذا كان المقتول ذميا و كل واحد من الكفر و من القتل مؤثر في قتله و إن كان عهده إنما زال بهذا القتل فهذا نظير السب ثم لو أسلم هذا لم يسقط عنه القتل بل يقتل إما حدا أو قصاصا سواء كان ذلك القتل مما يقتل به المسلم ـ بأن يكون المقتول مسلما ـ أو لا يقتل به بأن يكون المقتول ذميا و على التقديرين يقتل هذا الرجل بعد إسلامه لقطعه الطريق مثلا و قتله ذلك المعاهد من غير أهل دينه و إن كان إنما فعل هذا مستحلا له لكفره و هو قد تاب من ذلك الكفر فتكون التوبة منه توبة من فروعه و ذلك لأن هذا الفرع ليس من لوازم الكفر بل هو محرم عليه في دينه لأجل الذمة كما أن تلك الدماء و الأموال محرمة عليه لأجل الذمة و منشأ الغلط في هذه المسألة اعتقاد أن الذمي يستبيح هذا السب فإن هذا غلط إذ لا فرق ـ بالنسبة إليه ـ بين إظهار الطعن في المسلمين و بين سفك دمائهم و أخذ أموالهم إذ الجميع إنما حرمه عليهم العهد لا الدين المجرد فكيف لم يندرج أخذه لعرض بعض الأمة أو لعرض واحد من غير أهل دينه من أهل الذمة في ضمن التوبة من كفره مع أنه فرعه و اندرج أخذه لعرض نبينا عليه الصلاة و السلام في ضمن التوبة من كفره ؟

الجواب الثالث: هب أنه إنما يقتل للكفر و الحراب فقوله: [ الإسلام يسقط القتل الثابت للكفر و الحراب بالإتفاق ] غلط و ذلك أنا إنما اتفقنا على أنه يسقط القتل الثابت للكفر و الحراب الأصلي فإن ذلك إذا أسلم لم يؤخذ بما أصاب في الجاهلية من دم أو مال أو عرض للمسلمين أما الحراب الطارىء فمن الذي وافق على أن القتل الثابت بجميع أنواعه يسقط بالإسلام ؟ نعم نوافق على ما إذا نقض العهد بما لا ضرر على المسلمين فيه ثم أسلم أما إذا أسلم ثم حارب و أفسد بقطع طريق أو زنا بمسلمة أو قتل مسلم أو طعن في الدين فهذا يقتل بكل حال كما دل عليه الكتاب و السنة و هو يقتل في مواضع بالإجماع كما إذا قتل في المحاربة و حيث لم يكن مجمعا عليه فهو كمحل النزاع و القرآن يدل على أن يقتل لأنه إنما استثنى من تاب قبل القدرة في الجملة فهذه المقدمة ممنوعة و التميز بين أنواع الحراب يكشف اللبس

و أما ما ذكروه من أن الكافر و المسلم إذا سب فيما بينه و بين الله و قذف الأنبياء ثم تاب قبل الله توبته و لم يطالبه النبي بموجب قذفه في الدنيا و لا في الآخرة و أن الإسلام يجب قذف اليهود لمريم و ابنها و قولهم في الأنبياء و الرسل فهو كما قالوا و لا ينبغي أن يستراب في مثل هذا و قد صرح [ به ] بعض أصحابنا و غيرهم و قالوا: إنما الخلاف في سقوط القتل عنه أما توبته و إسلامه فيما بينه و بين الله فمقبولة فإن الله يقبل التوبة عن عباده من الذنوب كلها و عموم الحكم في توبة المسلم و الذمي

فأما توبة المسلم فقد تقدم القول فيها و أما توبة الذمي من ذلك فإن كان ذلك السب ليس ناقضا للعهد بأنة يقوله سرا فتوبته منه كتوبة الحربي من جميع ما يقوله و يفعله و توبة الذمي من جميع ما يقر عليه من الكفر فإن هذا لم يكن ممنوعا بعقد الذمة و ليس كلامنا فيه و به يخرج الجواب عما ذكروه

فإن السب الذي قامت الأدلة على مغفرته بالإسلام ليس هو السب الذي ينتقض به عهد الذمي إذا فعله و إنما فرق بين الجهر بالسب و الإسرار به بخلاف المسلم لأن ما يسره من السب لا يمنعه منه إيمان و لا أمان ألا ترى أنه لو قذف واحدا من المسلمين سرا مستحلا لذلك ثم أسلم كان كما لو قذفه و هو حربي ثم أسلم و معلوم أن الكافر الذي لا عهد معه يمنعه من شيء متى أسلم سقط عنه جميع الذنوب تبعا للكفر نعم لو أتى من السب بما يعتقده حراما في دينه ثم أسلم ففي سقوط حق المسبوب هنا نظر و نظيره أن يسب الأنبياء بما يعتقده محرما في دينه و أما إن كان السب ناقضا للعهد فإظهاره له مستحلا له في الأصل و غير مستحل كقتله المسلم مستحلا أو غير مستحل فالتوبة هنا تسقط حق الله في الباطن و أما إسقاطها لحق الآدمي ففيه نظر

و الذي يقضيه القياس أنه كتوبة المسلم: إن كان قد بلغ المشتوم فلا بد من استحلاله و إن لم يبلغه ففيه خلاف مشهور و ذلك لأنه حق آدمي يعتقده محرما عليه و قد انتهكه فهو كما لو قتل المعاهد مسلما سرا ثم أسلم وتاب أو أخذ له مالا سرا ثم أسلم فإن إسلامه لا يسقط عنه حق الآدمي الذي كان يعتقده محرما لا عهد لا ظاهرا و لا باطنا و هذا معنى قول من قال من أصحابنا: [ إن توبته فيما بينه و بين الله مقبولة ] فإن الله يقبل التوبة من الذنوب كلها و إن الله يقبل التوبة من حقوقه مطلقا أما من حقوق العباد فإن التوبة لا تبطل حقوقهم بل إما أن يستوفيها صاحبها ممن ظلمه أو يعوضه الله عنها من فضله العظيم

و جماع هذا الأمر أن التوبة من كل شيء كان يستحله في كفره تسقط حقوق الله و حقوق العباد ظاهرا و باطنا لكن السب الذي نتكلم فيه هو السب الذي يظهره الذمي و ليس هذا مما كان يستحله كما لم يكن يستحل دماءنا و أموالنا و إن كان ذلك مما يستحله لولا العهد

و قد تقدم ذكر هذا و بينا أن العهد يحرم عليه في دينه كثيرا مما كان يعتقده حلالا لولا العهد و نظير هذا التوبة المرتد من السب الذي يعتقد صحته و أما ما لم يكن يستحله و هو إظهار السب ففيه حقان: حق لله و حق الآدمي فتوبته تسقط فيما بينه و بين الله حقه لكن لا يلزم أن تسقط حق الآدمي في الباطن فهذا الكلام على قبول التوبة فيما بينه و بين الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت