فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 322

و أيضا فلا ريب أن توبتهم فيما بينهم و بين الله و إن تضمنت التوبة من حقوق الأدميين لأوجه:

أحدها: أنه قد قيل كفارة الغيبة الاستغفار لمن استغيبه و قد ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى مثل ذلك فجاز أن يكون [ ما ] قد أتى به من الإيمان برسول الله صلى الله عليه و سلم الموجب لأنواع الثناء عليه و التعظيم له موجبا لما ناله من عرضه

الثاني: أن حق الأنبياء تابع لحق الله و إنما عظمت الوقيعة في أعراضهم لما يتضمن ذلك من الكفر و الوقيعة في دين الله و كتابه و رسالته فإذا تبعت حق الله في الوجوب تبعته في السقوط لئلا ليكون أعظم منه و معلوم أن الكافر تصح توبته من حقوق الله فكذلك من حقوق الأنبياء المتعلقة بنبوتهم بخلاف التوبة من الحقوق التي تجب للناس بعضهم على بعض

الثالث: أن الرسول الله صلى الله عليه و سلم قد علم منه أنه يدعو للتأسي به و اتباعه و يخبرهم أن من فعل ذلك فقد غفر له كل ما أسلفه في كفره فيكون قد عفا لمن قد أسلم عما ناله من عرضه و بهذه الوجوه يظهر الفرق بين سب الرسول الله صلى الله عليه و سلم و بين سب واحد من الناس فإنه إذا سب واحدا من الناس لم يأت بعد سبه ما يناقض موجب السب و سبه حق آدمي مخص لم يعف عنه و المقتضى للسب هو موجود بعد التوبة و الإسلام كما كان موجدا قبلهما إن لم يزجر عنه بالحد و هنا كان الداعي إليه الكفر و قد زال بالإيمان و إذا ثبت أن توبته و إيمانه مقبول منه فيما بينه و بين الله فإذا أظهرها وجب أن يقبلها منه لما روى أبو سعيد في حديث ذي الخويصرة التميمي الذي اعترض على النبي صلى الله عليه و سلم في القسمة فقال خالد ابن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال: [ لا لعله أن يكون يصلي ] قال خالد: و كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس و لا أشق بطونهم ] رواه مسلم

و قال لأسامة في الرجل الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله [ كيف قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ] قال: إنما تعوذا قال: [ فهلا شققت عن قلبه ]

و كذلك في حديث المقداد نحو هذا و في ذلك نزل قوله تعالى: { و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا } [ النساء: 94 ] و لا خلاف بين المسلمين أن الحربي إذا أسلم عند رؤية السيف و هو مطلق أو مقيد يصح إسلامه و تقبل توبته من الكفر و إن كانت دلالة الحال تقتضي أن باطنه خلاف ظاهره

و أيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقبل من المنافقين علانيتهم و يكل سرائرهم إلى الله مع إخبار الله له أنهم اتخذوا أيمانهم جنة و أنهم { يحلفون بالله ما قالوا و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و هموا بما لم ينالوا } [ التوبة: 74 ] فعلم أن من أظهر الإسلام و التوبة من الكفر قبل ذلك منه فهذا قول هؤلاء و سيأتي إن شاء الله تعالى الاستدلال على تعين قتله من غير استتابة و الجواب عن هذه الحجج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت