فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 322

و أما الاعتبار فمن وجوه:

أحدها: أن عيب ديننا و شتم نبينا مجاهدة لنا و محاربة فكان نقضا للعهد كالمجاهدة و المحاربة بالأولى

يبين ذلك أن الله سبحانه قال في كتابه: { و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله } [ التوبة: 41 ] و الجهاد بالنفس يكون باللسان كما يكون باليد بل قد يكون أقوى منه قال النبي صلى الله عليه و سلم [ جاهدوا المشركين بأيديكم و ألسنتكم و أموالكم ] رواه النسائي و غيره

و كان [ صلى الله عليه و سلم ] يقول لحسان بن ثابت: [ أهجهم و هاجهم ] [ و كان ينصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بشعره و هجائه للمشركين ] و قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ اللهم أيده بروح القدس ] و قال: [ إن جبرئيل معك ما دمت تنافح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ] و قال: [ هي أنكى فيهم من النبل ]

و كان عدد من المشركين يكفون عن أشياء ممن يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان حتى إن كعب بن الأشرف [ لما ] ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل البيت هجاهم حسان بقصيدة فيخرجونه من عندهم حتى لم يبق له بمكة من يؤويه

و في الحديث: [ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ] و [ أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل تكلم بحق عند سلطان جائر فأمر به فقتل ]

و إذا كان شأن الجهاد باللسان هذا الشأن في شتم المشركين و هجائهم و إظهار دين الله و الدعاء إليه علم أن من شتم دين الله و رسوله و أظهر ذلك و ذكر كتاب الله بالسوء علانية فقد جاهد المسلمين و حاربهم و ذلك نفض للعهد

الوجه الثاني: أنا و إن أقررناهم على ما يعتقدونه من الكفر و الشرك فهو كإقرارنا لهم على ما يضمرونه لنا من العداوة و إرادة السوء بنا و تمني الغوائل لنا فإننا نحن نعلم أنهم يعتقدون خلاف ديننا و يريدون سفك دمائنا و علو دينهم و يسعون في ذلك لو قدروا عليه فهذا القدر أقررناهم عليه فإذا عملوا بموجب هذه الإرادةـ بأن حاربونا و قاتلونا ـ نقضوا العهد كذلك إذا عملوا بموجب تلك العقيدة ـ من إظهار السب لله و لكتابه و لدينه و لرسوله ـ نقضوا العهد إذ لا فرق بين العمل بموجب الإدارة و موجب الاعتقاد

الوجه الثالث: أن مطلق العهد الذي بيننا و بينهم يقتضي أن يكفوا و يمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا و شتم رسولنا كما يقتضي الإمساك عن دمائنا و محاربتنا لأن معنى العهد ان كل و احد من المتعاهدين يؤمن الآخر مما يحذره منه قبل العهد و من المعلوم أنا نحذر منهم إظهار كلمة الكفر و سب الرسول و شتمه كما نحذر إظهار المحاربة بل أولى لأنا نسفك الدماء و نبذل الأمول في تعزير الرسول و توقيره و رفع ذكره و إظهار شرفه و علو قدره و هم جميعا يعلمون هذا من ديننا فالمظهر منهم لسبه ناقض للعهد فاعل لما كنا نحذره و نقاتله عليه قبل العهد و هذا واضح

الوجه الرابع أن العهد المطلق لو لم يقتض ذلك فالعهد الذي عاهدهم عليه عمر ابن الخطاب و أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم معه قد تبين فيه ذلك و سائر أهل الذمة إنما جروا على مثل ذلك العهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت