أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام ألا ترى أنه قال لعائشة: [ مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله ] و هذا الجواب كما ذكرنا في الأذى الذي أمر الله بالصبر عليه إلى أن أتى الله بأمره
ذكر هذا الجواب طوائف من المالكية و الشافعية و الحنبلية: منهم القاضي أبو يعلى و أبو إسحاق الشيرازي و أبو الوفاء بن عقيل و غيرهم و من أجاب بهذا جعل الأمان كالإيمان في انتقاضه بالشتم و نحوه
و في هذا الجواب نظر لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا: و عليك ]
و عن [ أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إذا سلم عليكم أهل كتاب فقولوا: و عليكم ] متفق عليهما
فعلم أن هذا سنة قائمة في حق أهل الكتاب مع بقائهم على الذمة و أنه صلى الله عليه و سلم حال عز الإسلام لم يأمر بقتلهم لأجل هذا و قد ركب إلى بني النضير فقال: [ إذا سلموا عليكم فقولوا: و عليكم ] و كان ذلك بعد قتل ابن الأشرف فعلم أنه كان بعد قوة الإسلام
نعم قد قدمنا أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يسمع من الكفار و المنافقين في أول الإسلام أذى كثيرا و كان يصبر عليه امتثالا لقوله تعالى: { و لا تطع الكافرين و المنافقين و دع أذاهم } [ الأحزاب: 48 ] لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة عظيمة و مفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلماتهم
فلما فتح الله مكة و دخل الناس في دين الله أفواجا و أنزل الله البراءة قال فيها: { جاهد الكفار و المنافقين و آغلظ عليهم } [ التوبة: 73 ] و قال تعالى: { لئن لم ينته المنافقون و الذين في قلوبهم مرض } إلى قوله { أينما ثقفوا أخذوا و قتلوا تقتيلا } [ الأحزاب: 61 ]