التكلم في تمثيل سب رسول الله صلى الله عليه و سلم و ذكر صفته ذلك مما يثقل على القلب و اللسان و نحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين لكن للاحتياج إلى الكلام في حكم ذلك نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقا من غير تعيين و الفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان دعاء و خبر أما الدعاء فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه الله أو أخزاه الله أو لا رحمه الله أو لا رضي الله عنه أو قطع الله دابره فهذا و أمثاله سب للأنبياء و لغيرهم و كذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه أو لا سلم أو لا رفع الله ذكره أو محا الله اسمه و نحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة
فهذا كله إذا صدر من مسلم أو معاهد فهو سب فأما المسلم فيقتل به بكل حال و أما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره
فأما إن أظهر الدعاء للنبي و أبطن الدعاء عليه إبطانا يعرف من لحن القول يفهمه بعض الناس دون البعض ـ مثل قوله: السام عليكم ـ إذا أخرجه و مخرج التحية و أظهر أنه يقول السلام ففيه قولان:
أحدهما: أنه من السب الذي يقتل به و إنما كان عفو النبي صلى الله عليه و سلم عن اليهود الذين حيوه بذلك حال ضعف الإسلام بالبقاء عليه لما كان مأمورا بالعفو عنهم و الصبر على أذاهم و هذا قول طائفة من المالكية و الشافعية و الحنبلة مثل القاضي عبد الوهاب و القاضي أبي يعلى و أبي إسحاق الشيرازي و أبي الوفاء ابن عقيل و غيرهم و ممن ذهب إلى أن هذا سب من قال: [ لم يعلم أن هؤلاء كانوا أهل عهد ] و هذا ساقط لأنا قد بينا فيما تقدم أن اليهود الذين بالمدينة كانوا معاهدين و قال آخرون: كان الحق له و له أن يعفو عنهم فأما بعده فلا عفو
و القول الثاني: أنه ليس من السب الذي ينتقض به العهد لأنهم لم يظهروا السب و لم يجهروا به إنما أظهروا التحية و السلام لفظا و حالا و حذفوا اللام حذفا خفيا يفطن له بعض السامعين و قد لا يفطن له الأكثرون و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ إن اليهود إذا سلموا فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا: و عليكم فجعل هذا شرعا باقيا في حياته و بعد موته حتى صارت السنة أن يقال للذمي إذا سلم: و عليكم ] و كذلك لما سلم عليهم اليهودي قال: أتدرون ما قال ؟ إنما قال: السام عليكم و لو كان هذا من السب الذي هو سب لوجب أن يشرع عقوبة لليهودي إذا سمع منه ذلك و لو بالجلد فلما لم يشرع ذلك علم أنه لا يجوز مؤاخذتهم بذلك و قد أخبر الله عنهم بقوله تعالى { و إذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله و يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } [ المجادلة: 8 ]
فجعل عذاب الآخرة حسبهم يدل على أنه لم يشرع على ذلك عذابا في الدنيا و هذا لو أنهم قد قرروا على ذلك لقالوا إنما قلنا السلام و إنما السمع يخطئ و أنتم تتقولون علينا فكانوا في هذا مثل المنافقين الذين يظهرون الإسلام و يعرفون في لحن القول و يعرفون بسيماهم فإنه لا يمكن عقوبتهم باللحن و السيماء فإن موجبات العقوبات لابد أن تكون ظاهرة الظهور الذي يشترك فيه الناس و هذا القدر من المسلم فإنما يكون نقضا للعهد إذا أظهره الذمي و إتيانه به على هذا الوجه غاية ما يكون من الكتمان و الإخفاء
و نحن لا نعاقبهم على ما يسرونه و يخفونه من السب و غيره و هذا قول جماعات من العلماء من المتقدمين و من أصحابنا و المالكيين و غيرهم و ممن أجاز هذا القول ممن زعم أن هذا دعاء بالسام و هو الموت على أصح القولين أو دعاء بالسامة و أما الذين قالوا إن الموت محتوم على الخليفة قالوا: و هذا تعريض بالأذى لا بالسب و هذا القول ضعيف فإن الدعاء على الرسول و المؤمنين بالموت و ترك الدين من أبلغ السب كما أن الدعاء بالحياة و العافية و الصحة و الثبات على الدين من أبلغ الكرامة
النوع الثاني: الخبر فكل ما عده الناس شتما أو سبا أو نقضا فإنه يجب به القتل كما تقدم فإن الكفر ليس مستلزما للسب و قد يكون الرجل كافرا ليس يساب و الناس يعلمون علما عاما أن الرجل قد يبغض الرجل و يعتقد فيه العقيدة القبيحة و لا يسبه و قد يضم إلى ذلك مسبه و إن كانت المسبة مطابقة للمعتقد فليس كل ما يحتمل عقدا يحتمل قولا و لا ما يحتمل أن يقال سرا يحتمل أن يقال جهرا و الكلمة الواحدة تكون في سبا و في حال ليست بسب فعلم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال و الأحوال و إذا لم يكن للسب حد معروف في اللغة و لا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس فما كان في العرف سبا للنبي فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة و العلماء و ما لا فلا و نحن نذكر من ذلك أقساما فنقول: لا شك أن إظهار التنقص و الاستهانه عند المسلمين سب كالتسمية باسم الحمار أو الكلب أو وصفه بالمسكنة و الخزي و المهانة أو الإخبار بأنه في العذاب و أن عليه آثام الخلائق و نحو ذلك و كذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذب مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال و أنه يضر من اتبعه و أن ما جاء به كله زور و باطل و نحو ذلك فإن نظم ذلك شعرا كان أبلغ في الشتم فإن الشعر يحفظ و يروى و هو الهجاء و ربما يؤثر في نفوس كثيرة ـ مع العلم ببطلانه ـ أكثر من تأثير البراهين فإن غني به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره
و أما من أخبر عن معتقده بغير طعن فيه ـ مثل أن يقول: أنا لست متبعه أو لست مصدقة أو لا أحبه أو لا أرضى دينه و نحو ذلك ـ فإنما أخبر عن اعتقاد أو إرادة لم يتضمن انتقاصا لأن عدم التصديق و المحبة قد يصدر عن الجهل و العناد و الحسد و الكبر و تقليد الأسلاف و إلف الدين أكثر مما يصدر عن العلم بصفات النبي خلاف ما إذا قال من كان و من هو رأي كذا و كذا و نحو ذلك و إذا قال: لم يكن رسولا و لا نبيا و لم ينزل شيء و نحو ذلك فهو تكذيب صريح و كل تكذيب فقد تضمن نسبته إلى الكذب و وصفه بأنه كذاب لكن بين قوله: [ ليس بنبي ] و قوله: [ هو كذاب ] فرق من حيث إن هذا إنما تضمن التكذيب بواسطة علمنا أنه كان يقول: إني رسول الله و ليس من نفى عن غيره بعض صفاته نفيا مجردا كمن نفاها ناسبا له الكذب في دعواها و المعنى الواحد قد يؤدي بعبارات بعضها يعد سبا و بعضها لا يعد سبا
و قد ذكرنا أن الإمام أحمد نص على أن من قال للمؤذن: [ كذبت ] فهو شاتم و ذلك لأن ابتداءه بذلك للمؤذن معلنا بذلك ـ بحيث يسمعه المسلمون طاعنا في دينهم مكذبا للأمة في تصديقها بالوحدانية و الرسالة ـ لا ريب أنه شتم
فإن قيل: ففي الحديث الصحيح الذي يرويه الرسول عن الله تبارك و تعالى أنه قال: [ شتمني ابن آدم و ما ينبغي له ذلك و كذبني ابن آدم و ما ينبغي له ذلك فأما شتمه إياي فقوله: إني اتخذت ولدا و أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني فقد فرق بين التكذيب و الشتم ]
فيقال قوله: [ لن يعيدني كما بدأني ] يفارق قول اليهودي للمؤذن: [ كذبت ] من وجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح بنسبته إلى الكذب و نحن لم نقل: إن كل تكذيب شتم إذا لو قيل ذلك لكان كل كافر شاتما إذ لو قيل ذلك لكان كل كافر شاتما و إنما قيل: إن الإعلان بمقابلة داعي الحق بقوله [ كذبت ] سب للأمة و شتم لها في اعتقاد النبوة و هو سب للنبوة كما أن الذين هجوا من اتبع النبي عليه الصلاة و السلام على اتباعهم إياه كانوا سابين للنبي صلى الله عليه و سلم مثل شعر بنت مروان و شعر كعب بن زهير و غيرهما و أما قول الكافر [ لن يعيدني كما بدأني ] فإنه نفي لمضمون خبر الله بمنزلة سائر أنواع الكفر
الثاني: أن الكافر المكذب بالبعث لا يقول: إن الله أخبر أنه سيعيدني و لا يقول: إن هذا الكلام تكذيب لله و إن كان تكذيبا بخلاف القائل للرسول أو لمن صدق الرسول [ كذبت ] فإنه مقر بأن هذا طعن على المكذب و عيب له و انتقاض به و هذا ظاهر و كل كلام تقدم ذكره في المسألة الأولى من نظم و نحوه و عده النبي عليه الصلاة و السلام سبا حتى رتب على قائله حكم الساب فإنه سب أيضا و كذلك ما كان في معناه و قد تقدم ذكر ذلك و الكلام على أعيان الكلمات لا ينحصر و إن جماع ذلك أن ما يعرف الناس أنه سب فهو سب و قد يختلف ذلك باختلاف الأحوال و الاصطلاحات و العادات و كيفية الكلام و نحو ذلك و ما اشتبه فيه الأمر ألحق بنظيره و شبهه و الله سبحانه أعلم