فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 322

أما قوله: [ أقررناهم على دينهم ] فيقال: لو أقررناهم على كل ما يدينون به لكانوا بمنزلة أهل ملتهم المحاربين و لو أقررناهم على كل مايدينون به لم يعاقبوا على إظهار دينهم و إظهار الطعن في ديننا و لا خلاف أنهم يعاقبون على ذلك و لو أقررناهم على دينهم مطلقا لأقررناهم على هدم المساجد و إحراق المصاحف و قتل العلماء و الصالحين فإن ما يدينون به مما يؤذي المسلمين كثير و الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ثم لا خلاف أنهم لا يقرون على شيء من ذلك و إنما أقررناهم ـ كما قال غرفة بن الحارث ـ على أن نخليهم يفعلون بينهم ما شاءوا مما لا يؤذي المسلمين و لا يضرهم و لا نعترض عليهم في أمور لا تظهر فإن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها و لكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة و شرطنا عليهم أن لا يفعلوا شيئا يؤذينا و لا يضرنا سواء كانوا يستحلونه أو لا يستحلونه فمتى آذوا الله و رسوله فقد نقضوا العهد و شرطنا عليهم التزام حكم الإسلام و إن كانوا يرون أن ذلك لا يلزمهم في دينهم و شرطنا عليهم أداء الجزية و إن اعتقدوا أن أخذها منهم حرام و شرطنا عليهم إخفاء دينهم فلا يظهرون الأصوات بكتابهم و لا على جنائزهم و لا ضرب ناقوس و شرطنا عليهم أن لا يرتفعوا على المسلمين و أن يخالفوا بهيآتهم هيئة المسلمين على وجه يتميزون به و يكونون أذلاء في تمييزهم إلى غير ذلك من الشروط التي يعتقدون أنها لا تجب عليهم في دينهم

فعلم أنا شرطنا عليهم ترك كثير مما يعتقدونه دينا لهم إما مباحا أو واجبا و فعل كثير مما يعتقدونه ليس من دينهم فكيف يقال: أقررناهم على دينهم مطلقا ؟

و أما المقدمة الثانية فنقول: هب أنا أقررناهم على دينهم فقوله: [ استحلال السب من دينهم ] جوابه أن يقال: أهو من دينهم قبل العهد أو من دينهم وإن عاهدوا على تركه ؟

الأول مسلم لكن لا ينفع لأن هؤلاء قد عاهدوا فإن لم يكن هذا من دينهم في هذه الحال لم يكن لهم أن يفعلوه لأنه من دينهم في حال أخرى و هذا كما أن المسلم من دينه استحلال دمائهم و أموالهم و أذاهم بالهجاء و السب إذا لم نعاهدهم و ليس من دينه استحلال ذلك إذا عاهدهم فليس لنا أن نؤذيهم و نقول: قد عاهدناكم على ديننا و من ديننا استحلال أذاكم فإن المعاهدة التي بين المتحاربين تحرم على كل واحد منهما في دينه ما كان يستحله من ضرر الآخر و أذاه قبل العهد

و أما الثاني: فممنوع فإنه ليس من دينهم استحلال نقض العهد و لا مخالفة من عاهده في شيء مما عاهده بل من دين جميع أهل الأرض الوفاء بالعهد و إن لم يكن معتقدهم فنحن إنما عاهدناهم على أن يدينوا بوجوب الوفاء بالعهد فإن لم يكن دينهم وجوب الوفاء به فلم نعاهدهم على دين يستحل صاحبه نقض العهد و لو عاهدناهم على هذا الدين لكنا قد عاهدناهم على أن يدينوا بنقض العهد فينقضوه و نحن موفون بالعهد و بطلان هذا واضح

و إذا لم يكن فعل ما عوهدوا على تركه من دينهم فنحن قد عاهدناهم على أن يكفوا على أذانا بألسنتهم و أيديهم و أن لا يظهروا شيئا من أذى الله و رسوله و أن يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله و رسوله و إذا عاهدوا على ترك هذا و إخفاء هذا كان فعله حراما عليهم في دينهم لأن ذلك غدر و خيانة و ترك للوفاء بالعهد و من دينهم أن ذلك حرام و لو أن مسلما عاهده قوم من الكفار طائعا غير مكره على أن يمسك عن ذكر صليبهم لوجب عليه في دينه أن يمسك ما دام العهد قائما

فقول القائل: [ من دينهم استحلال سب نبينا ] باطل إذ ذلك مع العهد المقتضي لتركه حرام في دينهم كما يحرم عليهم في دينهم استحلال دمائنا و أموالنا لأجل العهد و هم يعتقدون عند أنفسهم أنهم آذوا الله و رسوله بألسنتهم أو ضروا المسلمين بعد العهد فقد فعلوا ما هو حرام في دينهم كما أن المسلمين يعلم أنه إذا آذاهم بعد العهد فقد فعل ما هو حرام في دينه و يعلمون أن ذلك مخالفة للعهد و إن ظنوا أن لا عهد بيننا و بينهم و إنما هم مغلوبون تحت يد الإسلام فذلك أبعد لهم عن العصمة و أولى بالانتقام فإنه لا عاصم لهم منا إلا العهد فإن لم يعتقدوا الوفاء بالعهد فلا عاصم أصلا و هذا كله بين لمن تأمله يتبين به بعض فقه المسألة

و من الفقهاء من أجاب عن هذا بأنا أقررناهم على ما يعتقدونه و نحن إنما نقول بنقض العهد إذا سبوه بما لا يعتقدونه من القذف و نحوه و هذا التفصيل ليس بمرضي و سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك

فإن قيل: فهب أنهم صولحوا على أن لا يظهروا ذلك لكن مجرد إظهار دينهم كيف ينقض العهد ؟ و هل ذلك إلا بمثابة ما لو أظهروا أصواتهم بكتابهم أو صليبهم أو أعيادهم ؟ فإن ذلك موجب لتنكيلهم و تعزيزهم دون نقض العهد

قلنا: و أي ناقص للعهد أعظم من أن يظهروا كلمة الكفر و يعلوها و يخرجوا عن حد الصغار و يطعنوا في ديننا و يؤذونا أذى هو أبلغ من قتل النفوس و أخذ الأموال ؟

و أما إظهار تلك الأشياء بعد شرط عمر المعروف ففيها وجهان عندنا: أحدهما: ينتقض العهد فلا يلزمنا و الآخر: لا ينتقض العهد

و الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أن ظهور تلك الأشياء ليس في ظهور كلمة الكفر و علوها و إنما فيه ظهور لدين المشركين و بين البابين فرق فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر و لو لم يفعل إلا مجرد مشاركة الكافر في هديه عوقب و لم يكفر و كان ذلك كإظهار المعاصي من المسلم يوجب عقوبته و لا يبطل إيمانه و المتكلم بكلمة الكفر يبطل إيمانه كذلك أهل العهد: إذا أظهروا الكفر و نحوه نقضوا أمانهم و إذا أظهروا زيهم عصوا و لم ينقضوا أمانهم

و هذا جواب من يقول من أصحابنا و غيرهم: إنهم لو أظهروا التثليث و نحوه مما هو دينهم نقضوا العهد

الجواب الثاني: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيها ضرر عظيم على المسلمين و لا معرة في دينهم و لا طعن في ملتهم و إنما فيه أحد أمرين: إما اشتباه زيهم بزي المسلمين أو إظهار لمنكرات دينهم في دار الإسلام كإظهار الواحد من المسلمين لشرب الخمر و نحوه و أما سب الرسول و الطعن في الدين و نحو ذلك فهو مما يضر المسلمين ضررا يفوق قتل النفس و أخذ المال من بعض الوجوه فإنه لا أبلغ في إسفال كلمة الله و لا إذلال دين الله و إهانة كتاب الله من أن يظهر الكافر المعاهد السب و الشتم لمن جاء بالكتاب

و لأجل هذا الفرق فصل أصحابنا و أصحاب الشافعي الأمور المحرمة عليهم في العهد الذي بيننا و بينهم إلى ما يضر المسلمين في نفس أو مال أو دين و إلى ما لا يضر و جعلوا القسم الأول ينتقض العهد حيث لا ينقضه القسم الثاني لأن مجرد العهد و مطلقه يوجب الامتناع عما يضر المسلمين و يؤذيهم فحصولة تفويت لمقصود العقد فيفسخه كما لو فات مقصود البيع بتلف العوض قبل القبض أو ظهوره مستحقا و نحوه بخلاف غيره و لأن تلك المضرات يوجب جنسها عقوبة المسلم بالقتل فلأن يوجب عقوبة المعاهد بالقتل أولى و أحرى لأن كليهما ملتزم إما بإيمانه أو بأمانه أن لا يفعلها و لأن تلك المضرات من جنس المحاربة و القتال و ذلك لإبقاء العهد معه بخلاف المعاصي التي فيها مراغمة و مصارمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت