فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 322

ذكرنا حكم المرتد استطرادا لأن الكلام في الساب متعلق به تعلقا شديدا فمن قال: [ إن ساب النبي صلى الله عليه و سلم من المسلمين يستتاب ] قال: إنه نوع من الكفر فإن من سب الرسول أو جحد نبوته أو كذب بآية من كتاب الله أو تهود أو تنصر و نحو ذلك كل هؤلاء قد بدلوا و فارقوا الجماعة فيستتابون و تقبل توبته كغيرهم

يؤيد ذلك أن في كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى المهاجر في المرأة السابة [ أن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر ]

و عن ابن عباس رضي الله عنه: [ أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله صلى الله عليه و سلم و هي ردة يستتاب منها فإن رجع و إلا قتل ]

و الأعمى الذي كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه و سلم كان ينهاها فلا تنتهي و يزجرها فلا تنزجر فقتلها بعد ذلك فإن كانت مسلمة فلم يقتلها حتى استتابها و إن كانت ذمية و قد استتابها فاستتابة المسلم أولى

و أيضا فإما أن يقتل الساب لكونه كفر بعد إسلامه أو لخصوص السب و الثاني لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس فيقتل بها ]

و قد صح ذلك عنه من وجوه متعددة و هذا الرجل لم يزن و لم يقتل فإن لم يكن قتله لأجل الكفر بعد الإسلام امتنع قتله فثبت أنه إنما يقتل لأنه كفر بعد إسلامه و كل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تقبل لقوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ـ إلى قوله ـ إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا } الآية [ آل عمران: 89 ] و لما تقدم من الأدلة الدالة على قبول توبة المرتد

و أيضا فعموم قوله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [ الأنفال: 38 ] و قوله صلى الله عليه و سلم: [ الإسلام يجب ما قبله والإسلام يهدم ما كان قبله ] رواه مسلم يوجب أن من أسلم غفر له كل ما مضى

و أيضا فإن المنافقين الذين نزل فيهم قوله تعالى: { و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن قل أذن خير لكم ـ إلى قوله ـ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } [ التوبة: 61 ـ 66 ] و قد قيل فيهم: { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } [ التوبة: 66 ] مع أن هؤلاء قد آذوه بألسنتهم و بأيديهم أيضا ثم العفو مرجو لهم و إنما يرجى العفو مع التوبة فعلم أن توبتهم مقبولة و من عفي عنه لم يعذب في الدنيا و لا في الآخرة

و أيضا فقوله سبحانه و تعالى: { جاهد الكفار و المنافقين ـ إلى قوله ـ فإن يتوبوا يك خيرا لهم و إن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما } الآية [ التوبة 73 ـ 74 ] فإنها تدل على أن المنافق إذا كفر بعد إسلامه ثم تاب لم يعذب عذابا أليما في الدنيا و لا في الآخرة و القتل عذاب أليم فعلم أنه لا يقتل

و قد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في رجال من المنافقين اطلع أحدهم على النبي عليه الصلاة و السلام فقال: علام تشتمني أنت و أصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا شيئا فأنزل الله هذه الآية و عن الضحاك قال: خرج المنافقون مع النبي صلى الله عليه و سلم إلى تبوك فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و طعنوا في الدين فنقل ما قالوا حذيفة إلى النبي عليه الصلاة و السلام فقال النبي صلى الله عليه و سلم: [ يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ ] فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه و سلم ما قالوا شيئا من ذلك فأنزل الله هذه الآية إكذابا لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت