فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 322

الثاني: أن الله سبحانه فرق بين التوبة قبل القدرة و بعدها لأن الحدود إذا رفعت إلى السلطان وجبت و لم يكن العفو عنها و لا الشفاعة بخلاف ما قبل الرفع و لأن التوبة قبل القدرة عليه توبة اختيار و التوبة بعد القدرة توبة إكراه و اضطرار بمنزلة توبة فرعون حين أدركه الغرق و توبة الأمم المكذبة لما جاءها البأس و توبة من حضره الموت فقال: إني تبت الآن فلم يعلم صحتها حتى يسقط الحد الواجب و لأن قبول التوبة بعد القدرة لو أسقط الحد لتعطلت الحدود و انبثق سد الفساد فإن كل مفسد يتمكن إذا أخذ أن يتوب بخلاف التوبة قبل القدرة فإنها تقطع دابر الشر من غير فساد فهذه معان مناسبة قد شهد لها الشارع باعتبار في غير هذا الأصل فتكون أوصافا مؤثرة أو ملائمة فيعلل الحكم بها و هي بعينها موجودة في الساب فيجب أن يسقط القتل عنه بالتوبة بعد الأخذ لأن إسلامه توبة منه و كذلك توبة كل كافر قال سبحانه و تعالى: { فإن تابوا و أقاموا الصلاة } [ التوبة: 5 ، 11 ] في موضعين و الحد قد وجب بالرفع و هذه توبة إكراه أو اضطرار و في قبولها تعطيل للحد و لا ينقض هذا علينا بتوبة الحربي الأصلي فإنه لم يدخل في هذه الآية و لأنه إذا تاب بعد الأسر لم يخل سبيله بل يسترق و يستعبد و هو إحدى العقوبتين اللتين كان يعاقب بإحداهما قبل الإسلام و الساب لم يكن عليه إلا عقوبة واحدة فلم يسقط كقاطع الطريق و المرتد المجرد لم يسع في الأرض فسادا فلم يدخل في الآية و لا يرد نقضا من جهة المعنى لأنا إنما نعرضه للسيف ليعود إلى الإسلام و إنما نقتله لمقامه على تبديل الدين فإذا أظهر الإعادة إليه حصل المقصود الذي يمكننا تحصيله و زال المحذور الذي يمكننا إزالته و إنما تعطيل هذا الحد أن يترك على ردته غير مرفوع إلى الإمام و لم يقدح كونه مكرها بحق في غرضنا لأنا إنما طلبنا منه أن يعود إلى الإسلام طوعا أو كرها كما لو قاتلناه على الصلاة أو الزكاة فبذلها طوعا أو كرها حصل مقصودنا و الساب و نحوه المؤذين إنما نقتلهم لما فعلوه من الأذى و الضرر لا لمجرد كفرهم فإنا قد أعطيناهم العهد على كفرهم فإذا أسلم بعد الأخذ زال الكفر الذي لم يعاقب عليه بمجرده

و أما الأذى و الضرر فهو إفساد في الأرض قد مضى منه كالإفساد بقطع الطريق لم يزل إلا بتوبة اضطرار لم تطلب منه و لم يقتل ليفعل بل قوتل أولا ليبذل واحدا من الإسلام أو إعطاء الجزية طوعا أو كرها على أنه لا يضر المسلمين فضرهم فاستحق أن يقتل فإذا تاب بعد القدرة عليه و أسلم كانت توبة محارب مفسد مقدور عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت