مثال الأول: أن يسب الدهر الذي فرق بينه و بين الأحبة أو الزمان الذي أحوجه إلى الناس أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه و نحو ذلك مما يكثر الناس قوله نظما و نثرا فإنه إنما يقصد أن يسب من يفعل ذلك به ثم إنه يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه و فاعل ذلك إنما هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء و إلى هذا أشار النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: [ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر بيده الأمر ]
و قوله فيما يروبه عن ربه تبارك و تعالى يقول: [ يا ابن آدم تسب الدهر و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل و النهار ] فقد نهى رسول الله عليه الصلاة و السلام عن هذا القول و حرمه و لم يذكر كفرا و لا قتلا و القول المحرم يقتضي التعزيز و التنكيل
و مثال الثاني: أن يسب مسمى بلاسم عام يندرج فيه الأنبياء و غيرهم لكن يظهر أنه لم يقصد الأنبياء من ذلك العام مثل ما نقل الكرماني قال: سألت أحمد قلت: رجل افترى على رجل فقال: يا ابن كذا و كذا إلى آدم و حواء فعظم ذلك جدا و قال: نسأل الله العافية لقد أتى هذا عظيما و سئل عن الحد فيه فقال: لم يبلغني في هذا شيء و ذهب إلى حد واحد و ذكر هذا أبو بكر عبد العزيز أيضا فلم يجعل أحمد رضي الله عنه بهذا القول كافرا مع أن هذا اللفظ يدخل فيه نوح و إدريس و شئت و غيرهم من النبيين لأن الرجل لم يدخل آدم و حواء في عمومه و إنما جعلها غاية و حدا لمن قذفه و إلا لو كان من المقذوفين تعين قتله بلا ريب و مثل هذا العموم في مثل هذا الحال لا يكاد يقصد به صاحبه من يدخل فيه من الأنبياء فعظم الإمام أحمد ذلك لأن أحسن أحواله أن يكون قد قذف خلقا من المؤمنين و لم يوجب إلا حدا و حدا لأن الحد هنا ثبت للحي ابتداء على أصله و هو واحد و هذا قول أكثر المالكية في مثل ذلك
و قال سحنون و أصبغ و غيرهما في رجل قال له غريمة: صلى الله على النبي محمد فقال له الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه قال سحنون: ليس هو كمن شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه إذا كان على ما وصف من الغضب لأنه إنما شتم الناس و قال أصبغ و غيره: لا يقتل إنما شتم الناس و كذلك قال ابن أبي زيد فيمن قال: [ لعن الله العرب و لعن الله بني إسرائيل و لعن الله بني آدم و ذكر أنه لم يرد الأنبياء و إنما أراد الظالمين منهم: إن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان ]
و ذهب طائفة ـ منهم الحارث بن مسكين و غيره ـ إلى القتل في مسألة المصلى و نحوها و كذلك قال أبو موسى بن مياس فيمن قال: [ لعنه الله إلى آدم ] إنه يقتل و هذه مسألة الكرماني بعينها و هذا قياس أحد الوجهين لأصحابنا فيمن قال: [ عصيت الله في كل ما أمرني به ] فإن أكثر أصحابنا قالوا: ليس لك يمين لأنه إنما التزم المعصية فهو كما لو قال: محوت المصحف أو شربت الخمر إن فعلت كذا و لم يظهر قصد إرادة الكفر من هذا العموم لأنه لو أراد لذكره باسمه الخاص و لم يكتف بالاسم الذي يشركه فيه جميع المعاصي
و منهم من قال: هو يمين لأن مما أمره الله به الإيمان و معصيته فيه كفر و لو التزم الكفر بيمينه بأن قال: [ هو يهودي أو نصراني أو هو برئ من الله أو من الإسلام أو هو يستحل الخمر و الخنزير أو لا يراه الله في مكان كذا إن فعل كذا و نحوه كان يمينا في المشهور عنه ] و وجه هذا القول أن اللفظ عام فلا يقبل منه دعوى الخصوص و لعل من يختار هذا يحمل كلام الإمام أحمد على أن القائل كان جاهلا بأن في النسب أنبياء
و وجه الأول أن أبا بكر رضي الله عنه كتب إلى المهاجر بن أبي أمية في المرأة التي كانت تهجو المسلمين يلومه على قطع يدها و يذكر له أنه كان الواجب أن يعاقبها بالضرب مع أن الأنبياء يدخلون في عموم هذا اللفظ و لأن الألفاظ العامة قد كثرت و غلب إرادة الخصوص بها فإذا كان اللفظ لفظ سب و قذف الأنبياء و نحوهم من الخصائص و المزايا ما يوجب ذكرهم بأخص أسمائهم إذا أريد ذكرهم و الغضب يحمل الإنسان على التجوز في القول و التوسع فيه كان ذلك قرائن ـ عرفية و لفظية و حالية ـ في أنه لم يقصد دخولهم في العموم لا سيما إذا كان دخول ذلك الفرد في العموم لا يكاد يشعر به
و يؤيد هذا أن يهوديا قال في عهد النبي عليه الصلاة و السلام: [ و الذي اصطفى موسى على العالمين ] فلطمه المسلم حتى اشتكاه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن تفضيله على موسى لما فيه من انتقاض المفضول بعينه و الغض منه و لو أن اليهودي أظهر القول بأن موسى أفضل من محمد لوجب التعزير عليه إجماعا بالقتل أو بغيره كما تقدم التنبيه عليه