الطريقة الخامسة و العشرون: أن هذا قتل تعلق بالنبي صلى الله عليه و سلم فلم يسقط بإسلام الساب كما لو قتل نبيا و ذلك أن المسلم أو المعاهد إذا قتل نبيا ثم أسلم بعد ذلك لم يسقط عنه القتل فإنه لو قتل بعض الأمة لم يسقط عنه القتل بإسلامه فكيف يسقط عنه إذا قتل النبي ؟ و لا يجوز أن يتخير فيه خليفة بعد الإسلام بين القتل و العفو عن الدية أو أكثر منها كما يتخير في قتل قاتل من لا وارث له لأن قتل النبي أعظم أنواع المحاربة و السعي في الأرض فسادا فإن هذا حارب الله و رسوله و سعى في الأرض فسادا بلا ريب
و إذا كان من قاتل على خلاف أمره محاربا له ساعيا في الأرض فسادا فمن قاتله أو قتله فهو أعظم محاربة و أشد سعيا في الأرض فسادا و هو من أكبر أنواع الكفر و نقض العهد و إن زعم أنه لم يقتله مستحلا كما ذكره إسحاق بن راهويه من أن هذا إجماع من المسلمين وهو ظاهر و إذا وجب قتله عينا و إن أسلم وجب قتل سابه أيضا و إن أسلم لأن كليهما أذى له يوجب القتل لا لمجرد كونه ردة أو نقض عهد و لا تمثيلا له بقتل غيره أو سبه فإن سب غيره لا يوجب القتل و قتل غيره إنما فيه القود الذي يتخير فيه الوارث أو السلطان بين القتل أو أخذ الدية و للوارث أن يعفو عنه مطلقا بل لكون هذا محاربة لله و رسوله و سعيا في الأرض فسادا و لا يعلم شيء أكثر منه فإن أعظم الذنوب الكفر و بعده قتل النفس و هذا أقبح الكفر و قتل أعظم النفوس قدرا
و من قال: [ إن حد سبه يسقط بالإسلام ] لزمه أن يقول: إن قاتله إذا أسلم يصير بمنزلة قاتل من لا وارث له من المسلمين لأن القتل بالردة و نقض العهد سقط و لم يبق إلا مجرد القود كما قال بعضهم: إن قاذفه إذا جلد ثمانين أو أن يقول: يسقط عنه القود بالكلية كما أسقط حد قذفه و سبه بالكلية و قال: انغمر حد السب في موجب الكفر لا سيما على رأيه إن كان السب من كافر ذمي يستحل قتله و عداوته ثم أسلم بعد ذلك و أقبح بهذا من قول ما أنكره و أبشعه ! و إنه ليقشعر منه الجلد أن يظل دماء الأنبياء في موضع تثأر [ فيه ] دماء غيرهم
و قد جعل الله عامة ما أصاب بني إسرائيل من الذلة و المسكنة و الغضب حتى سفك منهم من الدماء ما شاء الله و نهبت الأموال و زال الملك عنهم و سبيت الذرية و صاروا تحت أيدي غيرهم إلى يوم القيامة إنما هو بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله و يقتلون النبيين بغير الحق و كل من قتل نبيا فهذا حاله و إنما هذا بقوله: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم } [ التوبة: 12 ] عطف خاص على عام و إذا كان هذا باطلا فنظيره باطل مثله فإن أذى النبي إما أن يندرج في عموم الكفر و النقض أو يسوى بينه و بين أذى غيره فيما سوى ذلك أو يوجب القتل لخصوصه فإذا يطل القسمان الأولان تعين الثالث و متى أوجب لخصوصه فلا ريب أنه يوجبه مطلقا
و أعلم أن منشأ الشبهة في هذه المسألة القياس الفاسد وهو التسوية في الجنس بين المتباينين تباينا لا يكاد يجمعهما جامع و هو التسوية بين النبي و غيره في الدم أو في الغرض إذا فرض عود المنتهك إلى الإسلام هو مما يعلم بطلانه ضرورة و يقشعر الجلد من التفوه به فإن من قتله للردة أو للنقض فقط و لم يجعل لخصوص كونه أذى له أثرا و إنما المؤثر عنده عموم وصف الكفر إما أن يهدر خصوص الأذى أو يسوى فيه بينه و بين غيره زعما منه أن جعله كفرا و نقضا هو غاية التعظيم و هذا كلام من لم ير للرسول حقا يزيد على مجرد تصديقه في الرسالة و سوى بينه و بين سائر المؤمنين فيما سوى هذا الحق
و هذا كلام خبيث يصدر عن قلة فقه ثم يجر إلى شعبة نفاق ثم يخاف أن يخرج إلى النفاق الأكبر و إنه لخليق به و من قال هذا القول من الفقهاء لا يرتضي أن يلزم مثل هذا المحذور و لا يفوه به فإن الرسول أعظم في صدورهم من أن يقولوا فيه مثل هذا لكن هذا لازم قولهم لزوما لا محيد عنه و كفى بقول فسادا أن يكون هذا حقيقة بعد تحريره و إلا فمن تصور أن له حقوقا كثيرة عظيمة مضافة إلى الإيمان به ـ و هي زيادة في الإيمان به ـ كيف يجوز أن يهدر أذاه إذا فرض عريا عن الكفر أو يسوى بينه و بين غيره ؟
أرأيت لو أن رجلا سب أباه و أذاه كانتا عقوبته المشروعة مثل عقوبة من سب غير أبيه أم يكون أشد لما قابل الحقوق بالعقوق ؟ و قد قال سبحانه و تعالى: { فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة } الآية [ الإسراء: 24 ]
و في مراسيل أبي داود عن [ ابن المسيب أن النبي عليه الصلاة و السلام قال: من ضرب أباه فاقتلوه ]
و بالجملة فلا يخفى على لبيب أن حقوق الوالدين لما كانت أعظم كان النكال أذاهما باللسان و غيره أشد مع أنه ليس كفرا فإذا كان قد أوجب له من الحقوق ما يزيد على التصديق و حرم من أنواع أذاه ما لا يستلزم التكذيب فلا بد لتلك الخصائص من عقوبات على الفعل و الترك و مما هو كالإجماع من المحققين امتناع أن يسوى بينه و بين غيره في العقوبة على خصوص أذاه و هو ظاهر لم يبق إلا أن يكون القتل جزاء ما قوبل به من حقوقه بالعقوق جزاء وفاقا و إنه لقليل له و لعذاب الآخرة أشد و قد لعن الله مؤذيه في الدنيا و الآخرة و أعد له عذابا مهينا