أحدها أن الذمي لو أظهر لعنة الرسول أو تقبيحه أو الدعاء عليه بالسخط و جهنم و العذاب أو نحو ذلك فإن قيل [ ليس من السب ينتقض به العهد ] كان هذا قولا مردودا سمجا فإنه من لعن شخصا و قبحه لم يبق من سبه غاية و في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال [ لعن المؤمن كقتله ] و معلوم أن هذا أشد من الطعن في خلقه و أمانته أو وفائه و إن قيل [ هو سب له ] فقد علم أن من الكفار من يعتقد ذلك دينا و يرى أنه من قرباته كتقريب المسلم بلعن مسيلمة و الأسود العنسي
الوجه الثاني: أنه على القول بالفرق المذكور إذا سبه بما لا يعتقده دينا مثل الطعن في نسبه أو خلقه أو خلقه و نحو ذلك فمن أين ينتقض عهده و يحل دمه ؟ و معلوم أنه قد أقر على ما هو أعظم من ذلك من الطعن في دينه الذي هو أعظم من الطعن في نسبه و من الكفر بربه الذي هو أعظم الذنوب و من سب الله بقوله: إن له صاحبه و ولدا و إنه ثالث ثلاثة فإنه لا ضرر يلحق الأمة في دينها بإظهار ما لا يعتقد صحته من السب إلا و يلحقهم بإظهار ما كفر به أعظم من ذلك فإذا أقر على أعظم السبين ضررا فإقراره على أدناهما ضررا أولى نعم بينهما من الفراق أنه إذا طعن في نسبه أو خلقه فإنه يقر لنا بأنه كاذب أو أهل دينه يعتقدون أنه كاذب آثم بخلاف السب الذي يعتقده دينا فإنه و أهل دينه متفقون على أنه ليس بكاذب فيه و لا آثم فيعود الأمر إلى أنه قال كلمة أثم بها عندهم و عندنا لكن في حق من لا حرمة له عنده بل عنده بل مثاله عنده أن يقذف الرجل مسيلمة أو العنسي أو ينسبه إلى أنه كان أسود أو أنه كان دعيا أو كان يسرق أو كان قومه يستخفون به و نحو ذلك من الوقيعة في عرضه بغير حق معلوم أن هذا لا يوجب القتل و لا يوجب الجلد أيضا فإن العرض يتبع الدم فمن لم يعصم دمه لم يصن عرضه فلو لم يجب قتل الذمي إذا سب الرسول لكونه قد قدح في ديننا لم يوجب قتله بشيء من السب أيضا فإن خطب ذلك يسير
يبين أن المسلم إنما قتل إذا سبه بالقذف و نحوه لأن القدح في نسبه قدح في نبوته فإذا كنا بإظهار القدح في النبوة لا نقتل الذمي فإن لا نقتله بإظهار القدح مما لا يقدح في النبوة أولى و إذ الوسائل أضعف من المقاصد
و هذا البحث إذا حقق اضطر المنازع إلى أحد الأمرين: إما مواقفه من قال من أهل الرأي إن العهد لا ينقض من السب و إما مواقفه الدهماء في أن العهد ينتقض بكل سب و أما الفرق بين سب و سب في انتقاض العهد و استحلال الدم فمتهافت
ثم إنه إذا فرق لم يمكنه إيجاب القتل و لا نقض العهد بذلك أصلا و من ادعى وجوب القتل بذلك وحده لم يمكنه أن يقيم عليه دليلا
الثالث: أنا إذا لم نقتلهم بإظهار ما يعتقدونه دينا لم يمكنا أن نقتلهم بإظهار شيء من السب فإنه ما من أحد منهم يظهر شيئا من ذلك إلا و يمكنه أن يقول: إني معتقد لذلك متدين به و إن طعنا في السب كما يتدينون بالقدح في عيسى و أمه عليهما السلام و يقولون على مريم بهتانا عظيما
ثم إنهم فيما بينهم قد يخلفون في أشياء من أنواع السب: هل هي صحيحة عندهم أو باطلة ؟ و هم قوم بهت ضالون فلا يشاءون أن يأتوا ببهتان و نوع من الضلال الذي لا راد القلوب منه ثم يقولون: [ هو معتقدنا ] إلا فعلوه فحينئذ لا يقتلون حتى يثبت أنهم لا يعتقدونه دنيا و هذا القدر هو محل اختلاف و بعضه لا يعلم إلا من جهتهم و قول بعضهم في بعض غير مقبول
و نحن إن كنا نعرف أكثر عقائدهم فما تخفي صدورهم أكبر و تجدد الكفر و البدع منهم غير مستنكر فهذا الفرق مفضاة إلى حتم القتل بسب الرسول و هو لعمري قول أهل الرأي و مستندهم ما أبداه هؤلاء و قد قدمنا الجواب عن ذلك و بينا أنا إنما أقررناهم على إخفاء دينهم و لا على إظهار باطل قولهم و المجاهرة بالطعن في ديننا و إن كانوا يستحلون ذلك
فإن المعاهدة على تركه صيرته حراما في دينهم كالمعاهدة على الكف عن دمائنا و أموالنا و بينا أن المجاهرة بكلمة الكفر في دار الإسلام كالمجاهرة بضرب السيف بل أشد على أن الكفر أعم من السب فقد يكون الرجل كافرا و لا يسب و هذا هو سر المسألة فلا بد من بسطه فنقول: